غربان السياسة تحرق البشر وتتاجر برماد الطائفية.. والجيش أخطأ

16 آب 2021 07:24:54

.. وكأن لبنان لم يعد ينقصه غير رفع السواتر وترسيم خطوط التماس. إنه "الغثيان اللبناني" بتجلياته كلها، وفي طليعتها احتقار ما تبقى من اللبنانيين، وتحويل المآسى المتناسلة صراعاً سياسياً ومذهبياً وطائفياً. وهذا يتطلب "تحليل الدم"، وبيعه في قوارير التخدير.

رئاسة بلا تعقّل
فصل التيار العوني عكار عن لبنان، بعدما شيطن طرابلس وأظهرها شاذة على المجتمع اللبناني. وحالياً يريد لعكار أن تكون منفصلة. وكأن ثمة من يعيش في عقلية ما قبل لبنان الكبير، فلا يريد أن يبصر ضوءًا إلا في بقع جغرافية ضيقة على مقاسه. والقوانين بدورها تُفصّل على هذا المقاس.

رئيس الجمهورية أحال مجزرة عكار على ما قال إنه كان قد حذر منه سابقاً: تحركات "جماعات متطرفة"، كأنما لبنان جنة لا تنغِّصها إلا تلك الجماعات المتخيلة أو الموهومة. وهذا يؤكد أن ديدن السلطة الرئاسية لا تدفن رأسها في الرمال فحسب، بل تريد أن تدفن اللبنانيين، وتنعى ما تبقى لهم من مقومات عقلية، في أعنف هجوم لها على التعقل.

ازدواج الحريري
وفي مقابل عون وباسيل، أخذ تيار المستقبل القضية إلى بعد سياسي، يبدأ من دعوة رئيس الجمهورية إلى الاستقالة. وهذا موقف يستثمره خصوم المستقبل لتعزيز النزعة الطائفية والمذهبية. ففي بيانه المنفرد دعا سعد الحريري رئيس الجمهورية إلى الاستقالة وحمّله مسؤولية انفجار عكار والانهيار الشامل كله. أما في بيانه إلى جانب رؤساء الحكومة السابقين، فيدعو الحريري عون إلى فكفكة العقد التي تحول دون تشكيل الحكومة. وهذا الازدواج يعبر مجدداً عن حجم التفاهة السياسية التي ينطلق منها معظم السياسيين والعاملين في الشأن العام.

وفي ظل موقف الحريري التصعيدي ضد عون، سارع ميقاتي إلى دعوة رؤساء الحكومة السابقين إلى اجتماع، للتخفيف من حدّة الموقف. وبيع هذا التخفيف لرئيس الجمهورية على طريق محاولات التشكيل. وفيما رفع الحريري السقف كثيراً ضد عون، جاء بيان الرؤساء أقل حدّة، فدعاه إلى ضرورة التعاون.

سهام الأحمق العشوائية 
وعلى قاعدة يستخدمها الأحمق في رمي السهام في الاتجاه نفسه، من دون تجديد وجهته، بدأ تقاذف التهم بين القوى المختلفة. إنها الحدود الصغرى التي يلجأ الصغار إلى التمترس خلف حدودها المناطقية. وهذا يساهم في تدمير كل ما يرمز إلى دولة وطنية لبنانية. فعلى مذابح مصالح القوى السياسية تهون مصلحة الدولة المشتركة الجامعة.

وهل من يذكر جورج حسواني، رجل الأعمال الأبرز لدى النظام السوري، والذي يتعامل مع داعش ويشتري منه النفط؟ وحسواني هذا لا يرتبط بدين أو مذهب أو طائفة، بل هو يعمل بعقلية العصابات واختصاصاتها، والتي تتجاوز المذاهب والأديان. وهذا ينطبق على عمليات العصابات اللبنانية وسواها في تهريب المحروقات من عكار، وتتورط فيها شخصيات سياسية وأخرى على الأرض من الطوائف والمذاهب كلها. وقد ينذر هذا بالاشتعال اللبناني الكبير. فانفجار المرفأ ليس مسيحياً، وليس انفجار عكار مسلماً.

خطأ الجيش 
وثمة من يحرق الجثث ويتاجر بالرماد. والدولة في ذاتها خارجة على القانون. إنها في عداد الدول المارقة. ولا مكان للناس تلجأ إليه. حتى الجيش أخطأ في طريقة إدارته المحروقات التي تخزنها المافيات. فهو بدعوته الناس إلى الحصول عيلها منه مجاناً، جرهّم إلى التدافع والتزاحم للحصول على ما يصادره من محروقات.

وهذا قاد ويقود إلى سيناريو الفوضى الذي يدفع الناس للقبول بأي شيء. والوحش الذي اسمه الفوضى لا يمكن أحداً أن يسيطر عليه. وثمة اعتقاد لدى حزب الله والتيار العوني أن وضعهم أفضل من الآخرين. فهما قادران على ضبط الوضع وحصره ببضعة تحركات احتجاجية. وذلك يؤدي إلى اتساع هامش الفوضى في مناطق الأطراف، وهي المناطق المهملة تاريخياً.

غربان ومقهورون 
يشبه الذين يقودون لبنان في هذه المرحلة الغربان: يتقاذفون التهم السود، ويمارسون سياسة التجهيل والمروق. ويصدّق الناس خداعهم المقيت. وهم لا يعاملون اللبنانيين كشعب أو كجماعات مقهورة. جماعات لم تتمكن من التصدي لقدرها الذي صنعته بأيديها، ولم تعد قادرة على مواجهة مصائبها، فتلوذ بقوى تحميها.

غربان سياسة المروق وجماعات مقهورة تتبع الغربان أو تواليها على المستويات كلها، السياسية والمعيشية، وصولاً إلى الأوهام القاتلة. وهذا غالباً ما يقود إلى تفجر العنف. عنف يتحول إلى لون من ألوان التمرد، أو العنف ضد الذات والآخرين.

عنف عدواني هائل، لكن القوى السياسية لا تزال تستثمره حتى الآن ضد الناس، بدلاً من أن تفجره الناس في وجه هذه القوى. لكنه قد ينفجر يوماً في وجهها.