عن المعادلة الجهنمية في الجولان... وإليكم الفضيحة الكبرى

ربيع سرجون |

الإحتفاء الروسي الذي أقيم لجثة الجندي الإسرائيلي في حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيمين نتنياهو، يسقط كل شعارات النظام في الممانعة ومواجهة العدو الإسرائيلي، فالنظام كما كل محور الممانعة يرتكز على روسيا كقوة عسكرية وسياسية دولية تدعم خياراته وتوجهاته. وبما أنها أبرز المحتفين بتسليم الجثة كهدية إنتخابية إلى نتنياهو، وإقامة مراسم إحتفالية رسمية للمناسبة، فهذا يوضح الإنجاز الذي تعتبر موسكو نفسها قد حققته. بينما التخبط الذي أصاب النظام السوري الذي يسعى لإخفاء ما حصل، وصولاً إلى حدّ نفي المسحوبين عليه لأي علم له بما جرى، لهو مؤشر جديد على أن لا دولة في سوريا، ولا النظام قد حقق انتصاراً، لأن من لا يحمي أرضه وأمنها وملفات استراتيجية فيها، لا يمكن أن يكون مؤتمناً على دولة وشعب.

بينما الفضيحة الأكبر من ذلك، تجلت في كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اعتبر أن الجنود الروس بالتنسيق مع الجنود السوريين هم الذين وجدوا الجثة، ما يؤكد أن النظام كان على علم بالمسألة، ويوحي بأن إخفاءها من قبل المسؤولين السوريين يؤكد بأن ثمة أمور أخرى مخفية في الصفقة، وربما سيكون مقابل الهدية المقدمة من بشار الأسد إلى إسرائيل، تقابلها هدايا إسرائيلية أخرى تبقيه على رأس النظام، ومتسيداً على سوريا مدمّرة ومهجّرة من أهاليها.

ليس تبادل الهدايا بين النظام السوري وإسرائيل أمر عجيب أو مستغرب أو جديد، تبادل الهدايا يعود إلى سنوات طويلة، وقبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة، إذ يروي كتاب إسرائيليون في كتب تحكي عن تلك المرحلة وتحديدا حول الوضع في الجولان، أنه في حرب العام 1967، أمر الأسد الجنود السوريين بالإنسحاب من الجولان بدون هزيمة عسكرية، ما يعني أنه تم تسليم الهضبة بشكل منسّق مع الإسرائيليين، وهذا ما يعتبره عسكريون إسرائيليون سابقون بأنه كان محاولة من الأسد لجس النبض الإسرائيلي والدولي عبر تمرير رسائل إيجابية لتل أبيب تحضيراً للإنقلاب واستلامه للسلطة بغطاء دولي.

في حرب العام 1973، دخلت سوريا إلى الجولان واستطاع الجيش السوري احراز تقدّم بارز فيه، لكن الجنود ما لبثوا أن تلقوا أوامر من القيادة بضرورة التراجع، وهذه ثابتة في مرويات ضباط سابقين وساسة سوريين، كما موجودة في كتابات إسرائيلية، وبعدها، خرج حافظ الأسد ليقول إن سوريا خسرت الأرض وربحت بقاء النظام. وهذه كانت معادلة جهنمية أحاكها الأسد بذكائه المعروف، لأجل الحفاظ على قوة نظامه في سوريا، وبينما كانت مصر في تلك الفترة قد ذهبت إلى الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، لجأ الأسد إلى أسلوب أذكى وهو إتفاق وقف النار أو فض الإشتباك، وعدم الدخول في مفاوضات مباشرة، لتقديم نفسه كالرئيس العربي الوحيد الذي يدافع عن فلسطين، فشكّلت هذه ورقة قوته داخل سوريا واعطته فرصة للتدخل والتأثير في دول عربية أخرى، ومن بينها لبنان. وحتى دخول الأسد إلى لبنان في العام 1976، كان برعاية إسرائيلية، إذ ان الهدف من دخوله كان يتركز على ضرب الحركة الوطنية وقوى اليسار، التي تزعج إسرائيل كما أميركا في ذلك الوقت بسبب الصراع مع الإتحاد السوفييتي واليسار.

بقيت ورقة الجولان والحدود السورية مع إسرائيل، وكذلك اللبنانية، ورقة قوية يستخدمها الأسد حين يريد تحقيق أهداف سياسية معينة، فهو تارة يستخدم بعض الفلسطينيين لاستفزاز إسرائيل وجرها إلى حاولة تفاوضية حول قضايا ومصالح تفصيلية، وتارة أخرى يضرب قوى فلسطينية أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر لإرسال رسائل إيجابية إلى إسرائيل. فلوح الأسد بورقة الأمن والسلام لصالح تمتين نظامه، وتوسيع نفوذه إلى دول الجوار، عبر الإستئثار بالقرار اللبناني، واستملاك القرار الفلسطيني.

ورث بشار الأسد عن والده النظام نفسه والدور نفسه، لكنه لم يستطع الحفاظ على سوريا، وإن أبقى الأسد الأب الجولان مغطى بورقة توت، فإن الأسد قد أسقطها، وبعد الإعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، والتي تعتبر هدية كبيرة من ترامب إلى نتنياهو، تأتي الهدية الثانية من بوتين، وربما أساس الهدية مقدمة من قبل الأسد الإبن وهذا ما ستكشفه الأيام، خاصة أنه في الأيام الأولى للثورة السورية، أعلن رامي مخلوف بأن أمن إسرائيل من أمن سوريا، وبعدها أعلن مسؤولون إسرائيليون أن مصلحة إسرائيل تتجلى في بقاء النظام السوري.

بلا شك أن النظام السوري سيجد في هذه العملية، فاتحة طريق لعملية تفاوض جديدة مع الإسرائيليين برعاية روسيا، وهو يعتبر في هذه المرحلة أن أي مفاوضات يخوضها مع تل أبيب ستؤدي إلى إعادة تعويم نظامه على الصعيد الدولي، وبعد أن كانت المعادلة سابقاً أمن الحدود مقابل أمن النظام، فإن المعادلة اليوم أصبحت تقديم الأرض وكل ما تريده إسرائيل مقابل إعادة تعويم النظام. وبلا شك أن حمية النظام السوري التي ضحّت بتضحيات الجنود السوريين والمقاومين اللبنانيين والفلسطينيين في معركة السلطان يعقوب التي اسرت فيها جثة الجندي الذي تم تسليمه، وتم القفز على كل هذا التاريخ المجد في هذه الخطوة، وكما ضحّى النظام السوري بوحدة سوريا وأراضيها وشعبها، هو يتحضّر للتضحية بقضية أخرى لتعمية الأنظار وحجبها عن ما حصل في الجولان وتسليم الجندي الإسرائيلي إلى إسرائيل.

ومما لا شك فيه، أن الرد من قبل النظام سيكون في المنطقة الجنوبية أيضاً، ومن خلال عملية كبيرة تماماً على غرار الأسلوب الذي اعتمده دائماً، بحسب المعلومات فإن النظام يتحضّر لحصول حدث عسكري كبير في الجنوب السوري، والأكيد أن هذا العمل العسكري لن يكون بوجه العدو الإسرائيلي بل بوجه الشعب السوري، خاصة أن بعض عناصر تنظيم داعش الإرهابي الذين يخرجون من الباغوز، يجدون طريقاً جهنمية للوصول عبر البادية السورية إلى مشارف السويداء، ما يحتّم ترقّب الأوضاع هناك والحذر من تكرار سيناريو المجزرة التي ارتكبها التنظيم قبل فترة بحق أبناء السويداء، وهذا إذا ما حصل، سيحقق هدفاً للنظام السوري بترويع الأهالي بنظرية الإرهاب وسيدهي أنه يواجه الإرهاب، وسينفذ ما يرمي إليه في المحافظة، كما أنه سيسدي خدمة جديدة لإسرائيل عبر تطويع أهالي المحافظة، على طريقة تطويع كل مكونات المجتمع السوري، وخاصة عبر استهداف الأقليات في إطار إحياء الحديث مجدداً عن حلف الأقليات الذي يرتكز عليها النظام السوري في كلام بشار الأسد نفسه حول التجانس الإجتماعي، ويمثّل حلماً إسرائيلياً تاريخياً.