لماذا اتجهت إيران للتصعيد في خليج عمان؟

05 آب 2021 20:05:34

كتبت هدى رؤوف في "اندبندنت عربية":

يثور الآن التساؤل لماذا شنت إيران هجوماً على سفينة إسرائيلية قبالة سواحل عمان، وتبتعه حوادث غامضة عدة لبعض السفن في خليج عمان ما أثر في أمن وحرية وسلامة التدفق الملاحي والطاقة في المنطقة. ولماذا لم تتوخَ إيران الصبر الاستراتيجي الذي اعتادته، لا سيما مع اقتراب الجولة السابعة للمباحثات في فيينا بشأن الاتفاق النووي؟ ولماذا تزامنت الحوادث تلك مع مراسم تنصيب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران؟ أي ما الرسالة التي تريد إيران توجيهها لإسرائيل والولايات المتحدة؟

بداية أعلنت وسائل إعلام إيرانية منذ أيام أن الهجوم على السفينة الإسرائيلية جاء رداً على مهاجمة إسرائيل مطار الضبعة بسوريا. فقد شن هجوم باستخدام طائرة مسيرة على طاقم ناقلة نفط تشغّلها شركة "زودياك ماريتايم" تحت إدارة إسرائيل قبالة سواحل عمان، ومنذ ساعات قليلة تواردت أنباء عن حوادث غامضة لسفن في خليج عمان.

ومنذ نحو عامين وفى ظل ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، واجهت إيران حوادث غامضة عدة في منشآت حيوية اقتصادية وعسكرية ونووية، اتهمت إسرائيل بها، كما أعلنت تل أبيب سرقتها الأرشيف النووي الإيراني، كل تلك الحوادث عززت وجود بنية تجسس داخل إيران تابعة لإسرائيل. وفي ظل إدارة جو بايدن ورغبتها في إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ومع عدم رضاء إسرائيل على الاتفاق وبنوده وعدم قدرة إدارة بايدن على إلزام إيران بتضمين الملفات الإقليمية ومنظومة الصواريخ الباليستية ضمن الاتفاق، وفي ظل القناعة الإسرائيلية أن العودة الأميركية للاتفاق لن تقيد سلوك إيران الإقليمي وترسيخ وجودها في سوريا، أعلنت إسرائيل احتفاظها بحقها في التحرك منفردة لحماية أمنها في مواجهة إيران والميليشيات التابعة لها في العراق وسوريا.

وعلى الرغم من أنه منذ بداية العام دارت حرب السفن بين إسرائيل وإيران فقد تعرضت 5 ناقلات نفط إسرائيلية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، واستهدفت إسرائيل سفينة إيرانية عسكرية قبالة سواحل إريتريا، إلا أن رد الفعل الإيراني كان يتسم بالصبر الاستراتيجي إزاء كل الهجمات الغامضة التي تعرضت لها داخل الأراضي الإيرانية وخارجها، لا سيما مع بدء جولات المباحثات في فيينا ورغبة إيران في إحياء الاتفاق ورفع العقوبات.

ما هي رسالة إيران من هجمات خليج عمان؟

في ظل التحركات الإسرائيلية الماضية التي استهدفت سد ثغرات الاتفاق النووي، وفي ظل الحديث المتزايد عن الخروج الأميركي من الشرق الأوسط ونقل بعض القواعد العسكرية إلى الأردن، أرست إسرائيل سياسات ردع وتهديد إزاء إيران، لذا حاولت طهران الآن في ظل إدارة متشددة جديدة تغيير قواعد الاشتباك بينها وبين إسرائيل وإحداث توازن تهديد في ما بينهما، وذلك على النحو التالي:

سياسة إسرائيل أخيراً تجاه إيران

عملت إسرائيل على الاستعداد للسيناريوهات التالية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، في حالة العودة إلى الاتفاق النووي، حيث ستحاول أن يكون لها تأثير جوهري على وجود اتفاق "أطول وأقوى"، مع الاحتفاظ بحرية تل أبيب في التصرف. وبالتوازي مع ذلك يجب ضمان خيار عسكري إسرائيلي ذي صدقية ضد إيران والاستعداد لسيناريوهات عدم التوصل إلى اتفاق، والوصول إلى وضع دولة "عتبة نووية" حتى الاختراق النووي، مع مواصلة التعامل مع نشاط إيران الإقليمي كجزء من استراتيجية الحملة بين الحروب CBW والتي تحاصر بها نشاط إيران في المنطقة كلها.

الرسائل الإيرانية وراء التصعيد الأخير في خليج عمان وضد إسرائيل، مفادها أن إيران تستهدف تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية تجاهها والمشار إليها أعلاه، فكما أعلنت إسرائيل أنها ستحارب السلوك الإيراني المهدد لأمنها في كل من سوريا والعراق ولبنان، أرادت إيران تغيير السياق الثنائي في التعامل مع إسرائيل عبر نقله إلى ساحات أخرى، كلبنان وغزة، لذا منذ أسبوعين تم إطلاق صواريخ من لبنان في اتجاه إسرائيل، ومن ثم تسخين جميع نقاط المواجهة مع تل أبيب وتوسيع استراتيجية مواجهتها في أكثر من مكان، ومن هنا كان إطلاق الصواريخ من لبنان ثم الهجوم على السفينة الإسرائيلية وحوادث خاصة بسفن أخرى في خليج عمان.

من الملاحظ أن إيران بعدما ابتعدت عن التصعيد خلال ولاية ترمب، إلا أنها عملت في الأيام الأخيرة على التصعيد سواء من خلال إعلانها تأجيل مباحثات فيينا للتشاور الداخلي، وإعلان رفض المجلس الأعلى للأمن القومي الاتفاق مع الولايات المتحدة ما لم ترفع العقوبات، ما جعل الموقف الإيراني وكأنه يتلاعب بالأطراف الغربية والأميركية، على الرغم من أنه أثناء تنصيب الرئيس الجديد لإيران يوم الثلاثاء 6 أغسطس (آب) وعد رئيسي بتخليص بلاده من العقوبات الأميركية، وتنفيذ برنامج اقتصادي للتعامل مع التضخم الإيراني المتصاعد وتداعيات "كوفيد -19". وفي اليوم نفسه، نشر مكتب المرشد الإيراني لقطات غير مرئية لاجتماع مشحون بمجلس تشخيص مصلحة النظام في أبريل (نيسان) 2012، وأظهر المقطع الذي مدته خمس دقائق علي خامنئي ينتقد أكبر هاشمي رفسنجاني لأخذ نصيحة حسن روحاني بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة حينها.

إذاً في الوقت الذي دخلت فيه إيران المباحثات غير المباشرة مع إدارة بايدن من أجل الاتفاق النووي ورفع العقوبات، تراجعت ثم نشرت الفيديو المشار إليه لخامنئي لإبراز عدم التلهف الإيراني للعودة للاتفاق، أما رئيسي فعلى الرغم من وعده برفع العقوبات عبر الاتفاق النووي، لكنه مع ذلك استُهلت فترة رئاسته بحوادث السفن في خليج عمان، وهو ما تود طهران منه الضغط على واشنطن بشأن الإسراع في رفع العقوبات من دون التطرق لصواريخها ودعمها الميليشيات، في مقابل خفض التصعيد في منطقة الخليج العربي وعدم تعريض المصالح الأميركية والبريطانية والإسرائيلية للخطر. ولا يغيب أن التصعيد الأخير يوجه الانتباه الدولي بعيداً من الأوضاع الداخلية التي تشهدها منذ أسابيع بسبب احتجاجات المياه والفقر في خوزستان.

مما سبق نستنتج أن إيران، لم تضغط على الولايات المتحدة فقط من أجل شروط الاتفاق النووي، إنما التصعيد الأخير تستهدف منه تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل وتوسيع جبهة مواجهتها وتعزيز ما يسمى بتوازن التهديد لخلق ردع في مواجهتها، لكن الأحداث الأخيرة تشي بأن المنطقة ستشهد تصعيداً إقليمياً أطرافه الرئيسة محور إيران المكون من إيران و"حزب الله" في مواجهة إسرائيل وفي أكثر من بؤرة ساخنة.