قبل أن يدركنا 4 آب جديد…

02 آب 2021 13:19:28

في 4 آب كان كل لبنان على موعد مع الموت المُفجع. مَن قضى في ذلك الانفجار السينمائي المشهد، النووي التأثير، فهو الخسارة الأقصى والأقسى، رغم أن الحياة لم تعد تطاق في هذا البلد، لكن حق العيش مقدّس ولا يجوز أن يمسّه ما هو من فعل البشر.

أما نحن، فمنذ 4 آب 2020 يوم استثنانا الموت السريع على فارق دقائق أو ثوانٍ، دخلنا في مسار الموت البطيء. موتٌ تتوالى فصوله كل يوم. موتٌ ينتظرك عندما تستيقظ كل صباح. موتٌ ينتظرك عندما تخرج من بقايا المنزل، أو عندما تصادف طابوراً من طوابير الذل، أو عندما لا تجد دواءً بعد جولات وصولات، أو عندما تدرك أنك تعيش لحظة بلحظة، وأن القدر ببقائك حياً ليس إلا مزيداً من القهر والذل والهوان في بلدٍ لم يعد من موطئ حياة فيه. 

منذ 4 آب 2020 وكلّما مررنا بجانب المرفأ المتهالك المتشظّي، كأنما نرى جزءاً منّا هناك. بل ربما كل ذاتنا هناك. فنحن مُدَمَّرون مشلَّعون كما تلك الاهراءات التي تشرذمت أشلاءً وبقايا.

والأصعب من الموت هو حين ندرك أنه رغم كل ما حصل، لا زلنا في حالة إنكار كبرى. حالة إنكار للفاجعة، لا فاجعةَ الانفجار المشؤوم وحسب، بل فاجعة الوطن بما يعانيه. حالة إنكار لذواتنا المرمية على رصيف انتظار الموت، أو انتظار الهجرة. حالة إنكار لكوننا جميعاً صنعنا هذا القدر الأسود، بأيدينا أو بأصواتنا، أو بسكوتنا وصمتنا، أو بقناعتنا المذلولة بالواقع المرير.

وإلى كل تلك المآسي العامة، تتفرع مآسٍ خاصة. بعض هذه الخاصة إنما نتيجة الـ"تروما" التي قبضت على أنفسنا وأرواحنا وتفكيرنا مع توالي الصدمات والانفجارات، وبعضها ناجم عن كوننا أسرى كل تلك القيود والأزمات التي أحياناً نفتعلها ونرسم لها قلاعاً نفسية لا تنهدّ، ونحيطها بجدران الغضب والحقد على الذات، والحقد على الآخرين، أحبّاء قبل الأخصام. نرمي عليهم فشلنا وألمنا، ونلصق بهم تُهمة التخلي. فنهجر الأحبّة، ونراكم الخصومات، ونعادي أنفسنا، ونسير الهوينة في ركب الموت البطيء.

هكذا بتنا بعد الرابع من آب. هكذا تمضي يوميات الحياة، نهدر فيها أنفاسنا عوض استنفاذ ما بقي لنا منها في كل ما يفيد. وأول ما يمكن البدء فيه إصلاح الذات، الذات الصغرى والذات العامة، واستعادة روح الحياة، والبحث عن الأحباء، مَن قتلناهم في نفوسنا أو من قتلهم عصف الانفجار، واستعادة الوطن ممن قتلوه، بالأمل والعمل والنضال والرجاء. كلٌّ على طريقته قبل أن يدركنا 4 آب جديد