حكومة ربع الساعة الأخير

02 آب 2021 08:49:03

ستولد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مهما حصل من عراقيل، ولا يوجد خيار آخر، بمعنى أنه يستحيل العثور على شخصية تحضى بتأييد من المرجعيات الإسلامية إذا ما اعتذر ميقاتي عن التأليف. والحكومة العتيدة بمثابة الفرصة الأخيرة المتاحة لوقف الإنهيار. وميقاتي لديه قدرة كبيرة على الصبر، ويتمتع بمرونة واضحة يمكنها التعامل مع التصلُّب والإستبداد، كما أن الفريق الآخر المعني بالتشكيل يتهيب الموقف بعد مسار طويل من المكابرة. وهذا الفريق أمام مخاطر عقوبات داخلية وخارجية موجعة قد تواجهه إذا ما إستمرَّ بإدارة البلد بذات الطريقة التي إعتمدت خلال السنوات السابقة.

آخر المعطيات تشير الى أن الرئيس ميقاتي قطع شوطاً مهماً في مسيرة التأليف، والعِقد التي وضعها فريق رئيس الجمهورية في طريقها للحل، ذلك أن الضغط الخارجي القوي الذي حصل في الساعات الأخيرة كان كافياً لإفهام الرسالة الى مّن يعنيهم الأمر؛ أن عواقب تعطيل التشكيل ستكون وخيمة، وسيدفع المعرقلون ثمناً باهضاً بأشخاصهم وبمن يمثلون، كما أن الضغط الشعبي والسياسي الداخلي وصل الى حدود لا يمكن تجاهلها، وهناك قوى وربما طوائف بكاملها أبلغت المعنيين أنها تتخلَّى عن أي تمثيل وزاري من أجل إنقاذ الوضع المعيشي وتأمين الطعام والأدوية والمحروقات والكهرباء للمواطنيين. هذه الأوراق الرابحة حملها الرئيس المُحنَّك نجيب ميقاتي في حقيبة التفاوض، ولا يمكن للطرف الآخر أن يتجاهل مفاعيلها، إلا إذا كان قد قرر الإنتحار او الموت السياسي المستقبلي نهائياً.

اوساط رئيس الجمهورية ساهمت في تعميم موجات التفاؤل، من خلال الإيحاء بأن الرئيس عون يُقدِّر مرونة الرئيس ميقاتي، وهو مهتم بإنقاذ ما تبقى من عهده، وميقاتي طمأن عون بقابليته للتعاون لتحقيق هذا الهدف، على إعتبار أن الأمر يتعلَّق بإنقاذ حياة اللبنانيين ايضاً، وهؤلاء دفعوا ثمن المناكفات السياسية التي حصلت، ويعيشون اليوم مأساة لم تحصل حتى في أيام الحروب المشؤومة.

الدور الفرنسي يواكب بقوة مراحل التأليف، ويجهد لولادة الحكومة قبل إنعقاد المؤتمر الدولي لدعم الشعب اللبناني في 4 آب/اوغسطس بمناسبة ذكرى مرور سنة على تفجير مرفأ بيروت، لكي يتسنى لميقاتي ومسؤولين غيره المشاركة في مداخلات المؤتمر الذي سيحضره عبر الشاشة الرئيس الأميركي جو بايدن وقيادات عالمية وازنة أخرى. وقد إجتمع وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان مع نظير السعودي فيصل بن فرحان في باريس لهذه الغاية، كما أجرى لودريان مع زميله وزير الدفاع الفرنسي مباحثات مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في باريس ايضاً، بهدف الطلب من إسرائيل وقف أي عدوان يمكن أن يُسبب خلط الأوراق في لبنان، لاسيما بعد أن صدرت مواقف في غاية السلبية عن نافتالي بينت رئيس وزراء اسرائيل تُنذر بإرباك الساحة الجنوبية، وهناك ترابط بين بعض الأعمال العدوانية التي تستهدف الأراضي السورية وبين ما يجري في لبنان، وقد طلب الجانب الفرنسي من الوزير الإسرائيلي ضبط النفس وتخفيف اللهجة العدوانية. والجانب الفرنسي على تنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في هذا الإتجاه، كما هناك أطراف عربية تساعد في تطويق أي تفاعلات، وايران المنشغلة بالحراك المعارض في بعض مناطقها؛ لم تتعاطَ بسلبية إتجاه هذا المسار، وحزب الله كان قد أيد تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة ضمن هذا السياق.

تفاقُم الأحداث في لبنان أصبح يُنذر بإنفجار معيشي وأمني وشيك، ولن تكون القوى المعرقلة التي يُشار اليها بلبنان بمنأى عن الخطر، كما أن المتهوّرين من مجموعات الحراك الذين ساهموا في غرق السفينة؛ هم ايضاً في دائرة الخطر. والفوضى اللبنانية سينتج عنها وجعة رأس كبيرة لأوروبا بأكملها وللدول المحيطة بلبنان وللولايات المتحدة الأميركية، بسبب وجود ما يزيد عن مليوني لاجيء سوري وفلسطيني على أرض لبنان، والأحداث قد تدفع هؤلاء ومعهم الكثير من اللبنانيين للهجرة الى أروربا تحديداً.

حكومة الربع الأخير من ساعة الإختناق، هي الفرصة الأخيرة المتوافرة قبل الولوج نحو الجحيم.