تنامي روح القطيع... والوطن يغرق

23 تموز 2021 17:39:09 - آخر تحديث: 24 تموز 2021 00:00:15

اترك مُرّ أفعالهم للزمن...
 فكُل ساقٍ سيُسقى بما سَقى...

      
قصة مقتبسة لكنها للأسف تشبه حالة الوطن...

روى الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه  قصة رجلٍ يدعى "بانورج" كان في رحلة بحريّة على متن سفينة. وكان على نفس السفينة تاجر الأغنام "دندونو"، ومعه قطيع من الخرفان المنقولة بغرض بيعها. وكان "دندونو"  تاجراً جشعاً لا يعرف معنى الرحمة، ووصفه رابليه بأنٌه يمثل أسوأ ما في هذا العصر، وهو غياب الإنسانية...

وحدث أن وقع شجار على سطح المركب بين "بانورج" والتاجر "دندونو" فصمٌم على أثره "بانورج" أن ينتقم من التاجر الجشع، فقرّر شراء خروف من التاجر بسعرٍ عالٍ، وسط سعادة "دوندونو"...

لكن، وفي مشهد غريب، يمسك "بانورج" بالخروف من قرنيه ويجرّه بقوة إلى طرف السفينة ثم يلقي به إلى البحر.  فما كان من أحد الخرفان إلّا أنْ تبع خطى الخروف الغريق ليلقى مصيره، وليلحقه الثاني، فالثالث فالرابع، وسط ذهول التاجر وصدمته، ثم اصطفت الخرفان الباقية في طابورٍ مهيب لتمارس دورها في القفز.

جنّ جنون تاجر الأغنام "دندونو" وهو يحاول منع القطيع من القفز بالماء، لكنّ محاولاته كلها باءت بالفشل، فقد كان إيمان الخرفان بما يفعلونه على قدرٍ من الرسوخ أكبر من أن يُقاوم. وبدافعٍ قوي من الشجاعة اندفع 'دندونو" للإمساك بآخر الخرفان الأحياء آملاً في إنقاذه من مصيره المحتوم، إلّا أنّ الخروف المؤمن كان مصراً على الانسياق وراء الخرفان، فكان أنْ سقط كلاهما في الماء ليموتا معاً غرقاً في البحر.

ومن هذه القصة صار تعبير "خرفان بانورج" مصطلحاً شائعاً، ويعني انسياق الجماعة بلا أدنى وعي، أو إرادة يقظة وراء آراء وأفعال الآخرين.

وليس أخطر على مجتمعٍ ما من تنامي روح القطيع لديه، لا بل فكرة الانتحار الجماعي.

كثيراً ما تصادفنا في حياتنا الآن قطعان كاملة من خرفان بانورج تردٌد كلاماً أو تفعل أفعالاً لمجرد أنها سمعت، أو رأت، مَن يقوم بذلك. إنّهم يمثّلون الأسوأ ما في هذا العصر. وبغياب الوعي بالوطنية

وبكل إيمان لن يتوقف الزمن عند أحد، أياً يكن. فالصغير سيكبر. القوي سيضعف. المظلوم سينتصر، والظالم سيُحاسَب، وسينتصر الحق على الباطل.

اللهم نستودعك الوطن وشعبه، وابعِد عنه أكثر من "دندونو" و"بانورج" قبل أن يستمر قطيع السفينة بالغرق بصراعٍ بين قبطان، وقبطان، وقبطان و....

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: 
{الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض، ولا لها قيمة. المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحاً فلا يُجاب إلى ما سأل. قبل أن يحول الموت، ويصير المرء مرتهناً في حفرته بما قدّم من عمل}...

اعتبروا، فإنّ الله حلمه كبير، وما من ذنبٍ مهما عظُم إلّا ويبقى قابلاً للتوبة والغفران أمام الرحمن.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".