إستشارات فتكليف فتأليف وليس العكس!

21 تموز 2021 10:23:47

في الدول التي تحترم نفسها وتحترم شعوبها، لا يخضع الدستور، وهو القانون الأسمى في الوطن، لاجتهادات وتأويلات وتفسيرات خارج دائرة روحيّة التشريع وحدود المنطق القانوني ضمن الإطار السياسي العام. وفي الدول التي تحترم نفسها، تسمو الثقافة الدستوريّة عند العاملين في الحقل العام فوق كل الاعتبارات الأخرى. إنهم يعتبرونه كتابهم المقدّس في الحياة الوطنيّة والسياسيّة مثلما يقارب المؤمنون كتبهم المقدّس بكثير من التهيّب والحرص.

مناسبة هذا الكلام الاستحقاق الدستوري الجديد الذي فرض نفسه مجدداً بعد إنقضاء تسعة أشهر على التكليف من دون تأليف وهو الاستشارات النيابيّة الملزمة لتكليف شخصيّة جديدة لتأليف الحكومة.

ثمّة سابقة سُجلت المرة الماضية تمثلت في إطلاق مشاورات التأليف قبل تحديد موعد استشارات التكليف وهذا مخالف لروحيّة الدستور الذي يعكس أهميّة الدعوة الفوريّة أو المباشرة للاستشارات دون إبطاء حتى ولو لم يحدد مهلاً لذلك. الأمر نفسه ينطبق على مشاروات التأليف التي أيضاً لم تُحدد بمهل معيّنة ولكن إستغراقها الأشهر الطويلة لا يُبرّر سياسيّاً ودستوريّاً ومنطقيّاً.

وتتوالى الأمثلة ومنها عدم تحديد مهل لتوقيع المراسيم: التشكيلات القضائيّة مثالاً.

إن الخلط بين حق التوقيع وحق التعطيل يعكس فهماً مشوّهاً للدستور، ولا يتطابق مع الفكرة التي أرساها مونتسكيو عن فصل السلطات وتوازنها وتعاونها. طبعاً، لسنا في جمهوريّة أفلاطون أو الفارابي أو مونتسكيو، ولكن إحترام الدستور واجب على المسؤولين دون إستثناء.

في نهاية المطاف، مسؤوليّة التكليف تقع على عاتق الكتل النيابيّة وهذا ما تؤكده عبارة الاستشارات النيابيّة "الملزمة" (أي الملزمة بنتائجها وليس فقط بإجرائها) والتي يلتزم بها رئيس الجمهوريّة وفقاً للدستور. لذلك، يبدو أن تحريك الاتصالات الخلفيّة حول تسمية الرئيس المكلف تماثل الالتفاف على البرلمان وصلاحيات أعضائه في التسمية.

المهم الآن هو الالتزام بالدستور وتكليف رئيس جديد لتأليف الحكومة المنتظرة منذ أشهر والتي تقع عليها مسؤوليّة وقف الانهيار قبل تنظيم الانتخابات النيابيّة. المطلوب حكومة تحظى بالثقة في الداخل والخارج وتمتلك القدرة على إستقطاب الأموال وفتح النقاش مع الهيئات الدوليّة لتمويل المشاريع الأساسيّة وإعادة الاعتبار للعملة الوطنيّة.

تأليف الحكومة كان يجب أن يحصل بالأمس، لا اليوم ولا غداً.