أوروبا ودورها في العلاقات الدولية

16 تموز 2021 08:58:34

مجموعة من المؤشرات تبعث على الاعتقاد بأن أوروبا تعود شيئاً فشيئاً إلى لعب دور محوري في السياسة الدولية، بعد مرحلة من الانكفاء؛ سبَّبها الانشغال بنتائج الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد عام 2016، وموقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي قلَّل من شأن الدور الأوروبي، ولم يَعِر الاهتمام الكافي لعلاقة بلاده مع الاتحاد.

 من أبرز معالم استنهاض الدور الأوروبي؛ خطة التعافي الاقتصادي التي أقرها الاتحاد بقيمة 750 مليار دولار، وعودة الحرارة إلى العلاقات الأمريكية – الأوروبية، وفتح خطوط التواصل بين الاتحاد الأوروبي والصين، كما في المواجهة الدبلوماسية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، والذي بدا فيه الأوروبيون يفاوضون من موقع قوة مع الكرملين. وقد ساعد في تحسين صورة الاتحاد الأوروبي أمام تحديات الأزمات الإقليمية؛ التنسيق الواسع بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

 نجحت الدبلوماسية الأوروبية في إقناع الإدارة الأمريكية الجديدة في إعادة النظر في أغلب المقاربات التي اعتمدتها الإدارة السابقة، لاسيما في موضوع الضرائب الجمركية، والرسوم التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب، وردت عليها أوروبا بالمثل، وشملت سلعاً أساسية، بما فيها مواد الصلب والحديد والصناعات التجميلية والزراعية، وقد أسهمت هذه الضرائب في تقليص منسوب التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، خصوصاً في مجال الاستثمار بالصناعات الإلكترونية الذكية المتطورة. ومقررات القمة التي عقدت بين قادة الاتحاد والرئيس جو بايدن في بروكسل منتصف يونيو/ حزيران الماضي؛ كانت واضحة لناحية تأكيد الاتفاق على تقليص الإجراءات الجمركية إلى الحدود الدنيا..

ومن الواضح أن الأوروبيين تنفسوا الصعداء بعد الأسبوع الذي قضاه الرئيس جو بايدن في الربوع الأوروبية، وتخللته لقاءات ثنائية وجماعية في غاية الأهمية؛ كان أبرزها: قمة الدول السبع الصناعية الكبرى في كورنوال؛ وقمة دول حلف الأطلسي؛ والاجتماع التنسيقي مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، كما أن اللقاءات التي عقدها بايدن مع قادة بريطانيا في لندن، ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف؛ أعطت دفعاً لمكانة أوروبا كقارة حيوية، ودحضت فكرة كونها القارة العجوز.

 القمة التي عقدت عبر الفيديو في 6 يوليو/ تموز بين الرئيس الصيني شي جين بينج من جهة والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كممثلين للاتحاد الأوروبي من جهة ثانية؛ كان لها وقع كبير في مسيرة استعادة النهوض الأوروبي، وهي أكدت أن أوروبا ليست طرفاً تابعاً في الصراع التجاري بين واشنطن وبكين، وتمَّ فيها الاتفاق على تطوير التعاون؛ باعتبار الصين أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.

 ومن المؤشرات المهمة على قوة الاندفاعة الأوروبية الجديدة؛ طريقة إدارة المفاوضات بين الاتحاد وروسيا؛ حيث نجحت بروكسل في توحيد الموقف الأوروبي تجاه روسيا، ومنعت الاختراق الذي عملت عليه ألمانيا في حماستها لعقد اجتماع قمة بين قادة أوروبا والرئيس الروسي بوتين، وكان موقف أوروبا موحداً لناحية رفض عقد هذه القمة قبل موافقة موسكو على بعض المطالب الأوروبية؛ ومنها إعادة النظر بالحكم على المعارض الروسي ألكيسي نافالني، والتفاوض حول الموقف من جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014. لكن الدبلوماسية الألمانية نجحت في توفير غطاء لإكمال العمل في خط نقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق ( نورد ستريم- 2)، على الرغم من اعتراض عدد من الدول الأوروبية وتهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الشركات التي تسهم في تنفيذ المشروع. وبالفعل فقد أعلنت الشركة التي تنفذ المشروع أنها ستنهي العمل به نهاية الصيف الحالي، ليكون جاهزاً لنقل 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا.

 الواضح أن الاتحاد الأوروبي يحاول استعادة دوره في التأثير على ملفات المشكلات الإقليمية الساخنة في الشرق الأوسط وإفريقيا ووسط آسيا، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه هذا الدور.