حرب "الخنق" والمسؤولية اللبنانية

08 تموز 2021 08:39:48 - آخر تحديث: 08 تموز 2021 10:12:18

حرب الخنق على ما استندت؟؟

لم أكن يوماً أسير نظرية المؤامرة حتى لو وجدت. بل كنت ولا أزال مقتنعاً بأنه إذا كان ثمة من يعمل ويحيك المؤامرات ضدك فعليك تقع مسؤولية المواجهة وإفشال المخططات. للأسف حرب الخنق التي انطلقت ضد لبنان وبعد فشل كل الحروب الأخرى استندت على ممارسات رجال السلطة وبالتأكيد لا أقول رجال الدولة وثمة فرق شاسع بين هذين النوعين من الرجال. رجال السلطة الذين تولوا مواقع القرار الأساسية ولم يعتبروا الدولة إلا باب رزق لهم ولجماعاتهم، وباب مناكفة مفتوحة تحت عناوين الصلاحيات والأحجام بين "الأقوياء" فكان الإحجام عن الإدارة السليمة ولم تكن الإرادة سليمة!! واستمر الأقوياء في عروض قوتهم حتى أضعفوا لبنان واستضعفوا أهله وأذلّوهم وقهروهم كما نرى كل يوم. 

صحيح أننا لم نكن نحلم بدولة أفلاطون بعد الطائف ولو قدم بعض رجال السلطة أنفسهم "أفلاطونات" أهم بكثير من "أفلاطون" المعروف، ولكن كان مطلوباً عدم الغرق في ممارسات الفساد والنهب وشفط أموال الدولة وتقاسم المشاريع والحصص والمكاسب والمغانم "وحلب" الدولة!! 

كان مطلوباً عدم الرهان على أن مزاريب الأموال ستبقى "هادرة" وتتدفق منها الخيرات دون رقيب أو حسيب على هذا أو ذاك من رجال السلطة!! 

كان مطلوباً بناء مؤسسات سليمة قوية تؤمن مصالح الناس بعيداً عن الحسابات المذهبية والفئوية والشخصية والمناطقية والانتخابية، وتوفير الدواء والاستشفاء والمواد الغذائية ووسائل النقل والكهرباء والجمارك بعيداً من روائح بواخرها ومغاورها وشراكات عناترها وفضائح عنابرها، والمياه  والاتصالات والانترنت والمحروقات والتعليم العام في المدرسة والجامعة بكرامة وكان ذلك ممكناً قياساً على ما أنفق من مال. 

كان مطلوباً تعميم الإنماء المتوازن، والاهتمام بالأرياف والمناطق البعيدة المحرومة تاريخياً، والمحافظة على الأملاك العامة، ومحاسبة الفاسدين والمعتدين عليها والمتجاوزين القوانين المرعية الإجراء ، والذهاب الى التدقيق الجنائي في كل مؤسسات الدولة بعيداً من الاستنساب وسياسات تصفية الحساب والتخبّط في تنفيذ الخطوات المطلوبة كما بدا في الأيام الأخيرة في دوائر المزايدين بالموضوع!! 

كان مطلوباً إدارة سليمة للثروات المائية والبشرية والنفطية والغازية بدل التلّهي بمحاولات تسجيل البطولات الوهمية وبيع التراخيص للشركات العالمية هنا وهناك تحت وهم أن ذلك يأتي بالرئاسات!! إضافة الى "البهدلات" التي حصلت في كيفية إعادة إطلاق المفاوضات ثم توقفها ثم البحث عن صيغ في سياق البطولات ذاتها لإرضاء الأقوياء ولملمة فضائح الخلافات والتناقضات!! 

كان مطلوباً وقف التهريب لحماية أموال اللبنانيين ووقف جموح المصارف وأخطاء المصرف المركزي وتجار الأدوية، تجار الأمراض فعلياً. 
كان مطلوباً احترام الدستور وتعزيز استقلالية وسلطة القضاء لتكريس مبدأ المساءلة والمحاسبة، لا التلاعب به وبمؤسساته وممارسة سياسة الاستنساب والاستغلال. 

كان مطلوباً ضمير حي وأخلاق وأمانة ومسؤولية. كارثة المرفأ كارثة الكوارث. جريمة موصوفة بحق الأبرياء ولبنان ودوره ولا نصل الى حق وحقيقة. سرقة أموال المودعين والتلاعب بأعصابهم ومصيرهم وحياتهم اليومية، وفقدان الأدوية والمستلزمات الطبية من الصيدليات والمستشفيات، وانهيار العملة الوطنية، وانهيار البلد بأسره، وظلمة شاملة  ولا أفق في المدى المنظور لأن الذين ارتكبوا الارتكابات المذكورة استمروا يتصرفون وكأن لا شيئ يمكن أن يحدث. هنـــا الجشع والطمع وروح الاستغلال والاســـتكبار وإهانة الناس، حتى بدأت الصدمات والضربات المتتالية والكل في حالة ضياع. ومع ذلك لا يتفقون على حكومة. الحكومة لم تحقق المعجزات. هي مدخل الى بداية الحل بالاتفاق مع المؤسسات الدولية.

كل هذا استغل لتبدأ حرب الخنق الظالمة. الذين ارتكبوا ليسوا سياحاً جاؤوا الى لبنان عاثوا فيه فساداً وغادروه. والارتكابات لم تأت بقرار خارجي هي صناعة لبنانية يلازمها الفن والإبداع في تفويت الفرص. وكما أن انقطاع الكهرباء ليس قراراً خارجياً على سبيل المثال لا الحصر بعد إنفاق ما يقارب 50 مليار دولار من ميزانية الدولة فإن هذه مسؤولية وطنية لبنانية . ومن المعيب أن نسمع يومياً هذه الشرشحات والبهدلات والتهديدات بالعقوبات للمسؤولين اللبنانيين من الخارج لتنفيذ الوعود والالتزامات بالاصلاحات. كنت ولا أزال ضد التعميم في إطلاق الاتهامات أو تحديد المسؤوليات.

ثمة من مرّ في السلطة، وتصرف بمنطق الدولة وحاول تكريس فكرة الدولة واعتبر مال الناس أمانة وحافظ عليه ورفض تقديم أي إنجاز على أساس أنه  منّة  من أحد. مال الدولة هو مال الناس يجب أن يعود اليهم بكرامة ويصرف من أجل راحتهم. هذا حق لهم وواجب على أي مسؤول. والذين تصرفوا على هذا الأساس هم حزبيون وغير حزبيين ولذلك لا يجوز التعميم وتكفير كل الذين تحملوا مسؤوليات أو تكريس المنطق الشمولي ضدهم. هذا ظلم. لو كان ثمة مؤسسات وقضاء لأمكن محاسبة أي كان، ولانتظمت الأمور في سياقها الصحيح. ومن المـــوقع ذاته وعلى أساس المعيار ذاته أقول: لا تجوز المعاقبة الجماعية للبنانيين كما يحصل الآن!! والذين يعملون على خنق لبنان تركوا رجال السلطة يرتكبون، بل ساعدوهم بالمال أحياناً بشكل مباشر أو غير مباشر ، لكـــن قصر نظر هؤلاء أعمى بصيـــرتهم. الآن جاء "الخانقون" يستغلون الارتكابات وفي دولهم الكثير الكثير من الفساد، لكن "رجال" "سلطتنا" سجلوا رقماً قياسياً في هذا المجال للأسف. 

مواجهة حرب الخنق لا تكون بالانتحار هروباً الى الأمام من الاستحقاقات والالتزامات والقرارات الاصلاحية المطلوبة كما يحصل حتى الآن، ولا تكون بالاستنفارات الطائفية والمذهبية وعروضات القوة السخيفة التافهة الفارغة من أي مضمون أو باستعراضات الكتبة والجواسيس والمخبرين، فالكل يختنق. ولا تكون بالانقلاب على ذواتنا وبعضنا البعض بالانغلاق والعودة الى مشاريع التعددية الحضارية والتقسيم تحت عنوان الفدرالية وللبحث صلة!!