الجولان أكبر من الخدمات الانتخابية

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة «الإسرائيلية» على مرتفعات الجولان السورية المحتلة؛ أثار موجة عارمة من الاستنكار العربي والدولي، وكان محل استهجان من الأوساط الدبلوماسية في الأمم المتحدة، بما في ذلك الأوساط التي تعتبر نفسها صديقة للولايات المتحدة الأمريكية، ذلك لكون القرار مفاجئاً من جهة، ولأنه يخرق كل الأعراف والقرارات الدولية، بما في ذلك القرار 242 الذي دعا «إسرائيل» للانسحاب من كل الأراضي العربية التي احتلتها خلال عدوان يونيو/ حزيران 1967، بما في ذلك مرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية بطبيعة الحال.
ترى أوساط سياسية مراقبة؛ أن القرار الأمريكي ينمّ عن رغبة واشنطن بإنقاذ رئيس الوزراء «الإسرائيلي» رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو في الانتخابات التشريعية المبكرة التي ستجري في 9 إبريل (نيسان) الحالي، لأن نتنياهو مُهدّد من تحالفات حزبية قد تمنع عنه الوصول إلى رئاسة الحكومة مجدداً. بالمقابل هناك وعد قاطع من حزب الليكود، ونتنياهو شخصياً بدعم ترشيح الرئيس ترامب لولاية رئاسية جديدة العام القادم، كما أن صهر ترامب جاريد كوشنر الذي هندس عملية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، هو ذاته الذي هندس الاعتراف الأمريكي بسيادة «إسرائيل» على الجولان. وكوشنر اليهودي الأرثوذوكسي، صديق قديم لقيادات حزب الليكود، وهو مستشار مُكلف بحل الصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي».
قد يكون القرار الأمريكي الذي اتخذه ترامب في 24 مارس/آذار 2019، من أخطر القرارات على الإطلاق. فمن ناحية هو يتناقض مع القوانين الدولية، ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يُشير إلى عدم جواز تغيير حدود الدول عن طريق القوة. ومن ناحية ثانية فإن القرار يُحرج أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، ويُعطي حوافز للدول التي تناصبها العداء، كون الرأي العام العربي والإسلامي يرفض بالمطلق ضمّ الجولان إلى «إسرائيل» وعلى اعتبار أن القرار يستهدف مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002، والتي ترتكز على الانسحاب من الأرض المحتلة مقابل السلام، وفي طليعة هذه الأرض هضبة الجولان التي يجب أن تعود للسيادة السورية.
وهضبة الجولان التي احتلت «إسرائيل» معظمها عام 1967، تبلغ مساحتها 1680 كلم مربعاً، ومرتفعاتها تُشرف على العاصمة السورية دمشق، ويبلغ عدد سكانها من العرب السوريين الدروز حوالي 30 ألفاً، واستوطن فيها ما يناهز 20 ألف يهودي منذ أن أعلنت «إسرائيل» ضمها في العام 1981. والأهم من كل ذلك؛ فإن الجولان يُعتبر أهم خزان مياه جوفية في المنطقة، ومنه تتغذى بحيرة طبريا، و«إسرائيل» تعتمد على الجولان بما يزيد على 50% من مياهها الجوفية الصالحة للاستخدام المنزلي.
وتحاول قوات الاحتلال إقامة مشاريع سياحية واستثمارية في الجولان، كون أرضه جبلية خصبة، وتمتد إلى مرتفعات جبل الشيخ التي تصلُح لمنتجعات التزلّج النادرة الوجود في المنطقة.
وللجولان أهمية إستراتيجية كونه يقع على مثلث الحدود السورية واللبنانية والأردنية مع فلسطين المحتلة. وقد أعادت سوريا تحرير 60 كلم مربعاً من أراضيه في حرب العام 1973، ولكن بلداته المحررة بقيت مُدمرة، بينما سكان قراه التي بقيت تحت الاحتلال «الإسرائيلي» أغلبيتهم من المزارعين، وينتمون إلى الطائفة الإسلامية الدرزية التي يرفض أبناؤها مغادرة أراضيهم، ويتمسكون بهويتهم وبانتمائهم العربي السوري.
مجلس الأمن الدولي الذي انعقد في 27 مارس/آذار 2019 بناء على طلب سوريا، فشل في اتخاذ قرار يرفض إجراءات قوات الاحتلال ويدين القرار الأمريكي، وذلك بسبب تهديد واشنطن باستعمال حق النقض «الفيتو» ضد القرار، لكن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن عبَّرت عن رفضها للقرار الأمريكي، على اعتبار أنه ينتهك كل قرارات مجلس الأمن السابقة. وقد أعلنت الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس الأمن - وهي فرنسا وبريطانيا ( أعضاء دائمو العضوية ) وبلجيكا وألمانيا وبولندا رفضها للقرار الأمريكي، مؤكدةً على تعارضه مع ميثاق الأمم المتحدة.
عروبة الجولان لا يمكن أن تُلغى بقرار من أي دولة مهما كانت قوتها. والقرار الأمريكي يُحبط المساعي التي تهدف إلى تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة، وقد ساهم القرار أيضاً في زيادة التوتر في محيط الجولان، خصوصاً من الجهة اللبنانية، ومن الجهة الشرقية في القنيطرة السورية.
وكل التقديرات تُشير إلى استحالة استخدام مرتفعات الجولان في الخدمات الانتخابية المتبادلة بين ترامب ونتنياهو. والجانب العربي ما زالت لديه أوراق قوة يمكن استخدامها لعدم تشريع القرار دولياً.