حرب "الخنق"

06 تموز 2021 21:32:07 - آخر تحديث: 07 تموز 2021 16:22:51

لماذا قلنا، ما يجري اليوم عندنا هو المرحلة الأخيرة من حرب ال 75؟؟ هدف حرب الحروب كان تصفية القضية الفلسطينية وتقسيم لبنان. نحن بدمائنا وعلى مدى سنوات أسقطناه. وصلت اسرائيل الى بيروت وتوهّمت أنها سيطرت على البلد . وقّعت اتفاق 17 ايار مع السلطة القائمة آنذاك. أسقطنا الاتفاق. حافظنا على وحدة البلد. أكدنا في الطائف عروبته وأدرجنا في دستوره الجديد بنوداً إصلاحية. ورغم خروج منظمة التحرير من لبنان فإن القضية الفلسطينية لم تمت بل فرضت نفسها على العالم كله قضية مركزية أساسية، دون حلها حلاً عادلاً لن يكون سلام في المنطقة خصوصاً في الحرب الأخيرة بين "سيف القدس" و "حارس الأسوار".

توقفت الحرب في لبنان عام 1990. لكن حرب الحروب انتقلت الى العراق بعد خطيئة قيادته بغزو الكويت . بدأ التخطيط لاحتلال العراق بعد تحرير الكويت من جيشه. بالغزو تمت السيطرة عليه وتعميم الفوضى ونهب ثرواته ومصادرة خيراته لسنوات طويلة. ثم قتل صدام حسين. استفادت إيران. تعزّزت المشاعر المذهبية. سياق حرب الحروب هو هو. التقسيم. أصبح الأمر جزءاً من الدستور العراقي. الأميركيون بعد نهب البلد والعبث به والغرق فيه حتى اليوم قالوا بوضوح لا مستقبل للبلد إلا بتقسيمه!! دولة سنية. دولة شيعية. دولة كردية. هذا هو مشروع التفتيت الذي أسقطناه في لبنان عاد ليطل على المنطقة من العراق وهو للأسف حتى الآن يتكرس واقعاً بعد مسلســـل التهجير والتصفية على الإسم والهوية، وكان ينقصنا "داعش" فجاء في سياق اللعبة ذاتها وتحت عيون الأميركيين وكل الغرب ودول إقليمية أساسية!! ولا يزال العراق ساحة حرب الحروب. 

ثم سمّم الرئيس ياسر عرفات الرمز الفلسطيني وانعكاسات تغييبه ماثلة أمامنا. وبعده اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكان الزلزال الذي لم نخرج من ارتداداته حتى الآن . ثم جاء دور سوريا، لتتحول من لاعب أساسي الى ملعب تخاض على أرضه حرب حروب أخرى. هي حروب اسرائيل وتركيا وإيران وروسيا وأميركا وأكراد.  سوريا مفكّكة مقسّمة، والحسابات المذهبية فيها خطيرة، ومسلسل التهجير المبرمج من قبل النظام وأعوانه الذي استهدف فئة معينة  من المواطنين والتغيير الديموغرافي الذي حصل من المخاطر الكبرى على وحدتها!! واللعبة لا تزال مستمرة. بطبيعة الحال أخطاء النظامين العراقي والسوري كانت سبباً رئيسياً في ما آلت إليه الأمور . فإذا كانت لعبة حرب الحروب والتفتيت مشروعاً أميركياً اسرائيلياً كان ينبغي معرفة التعامل معها لتجنب الوقوع فيها والانزلاق اليها. لكن العباقرة هناك لم يفعلوا إلا الانزلاق الطوعي وب "فخر" الى المستنقع. اسرائيل هنا رابح أساسي. 

ثم جاءت اليمن. كارثة اليمن تحت عنوان "العزم"  ثم عنوان "الأمل" ولا عزم ولا أمل. يتقاتل الحلفاء هناك ويفشلون مع معلمهم الأكبر أميركا. كارثة الكوارث دخلوا فيها بأمل تحقيق بطولات وإنجازات يتوسلون وسيلة للخروج منها اليوم، وعندما نبّهنا الى خطر ذلك قامت القيامة علينا!! واليمن ذاهب الى التقسيم بوضوح وباعتراف قواه المختلفة واسرائيل أصبحت في سقطرى وأميركا في ميون!! 

وها هي ليبيا  وحرب الحروب  فيها لا تنتهي ولن تنتهي قريباً . تبدأ من الداخل لتصل الى الجوار والعمق الأفريقي كله. وهي مقسّمة قبائل وعشائر ومناطق نفوذ. 

أما السودان فقد قسّم رسمياً. واستضعف. وحرّرت ديونه ورفع اسمه عن لائحة الإرهاب بعد توقيعه اتفاقات مع اسرائيل!! أمة أهلها نازحون. مهجرون. مقتولون بأيدي الأنظمة. وحرب الحروب. يقرّر مصيرها وحكامها لا علاقة لهم بالقرار . أخذت بعضهم اسرائيل. اعتبر ترامب وصهره العظيم كوشنير والإرهابي نتانياهو أنهم على طريق إنهاء الصراع. عدو العرب إيران . اسرائيل صديق. شريك. ضامن أمن واستقرار. لم تنجح اللعبة رغم إسراع وتسرّع العرب المعنيين. ما علاقة لبنان بكل ذلك؟؟

على أرضه سقط مشروع التفتيت. مشروع اسرائيل القديم الجديد المستمر. لا الحرب الداخلية حققت ما تريده اسرائيل ولا الاجتياحات الاسرائيلية التي وصلت الى بيروت أسقطته بل سقطت اسرائيل وخرجت مذلولة. ذهبت الى أرض عربية بعيدة. توهّمت أيضاً أنها بذلك حققت ما تريد. معها أميركا طبعاً. بعد الحرب على غزة اهتز موقعها "وإنجازها". أصرّ بعض العرب رغم كل ما جرى على العلاقة معها. لكن واقع الحال يقول: لو ذهبت الى أقاصي الأرض وأقامت علاقات استثنائية، هنا لبنان. على حدوده مشكلة. "أمنها" "واستقرارها" مهددان!! لأن لبنان لم يخضع !! ولذلك منذ سنوات ونحن نسمع النغمة ضد "حزب الله" وعدم التمييز بينه وبين الدولة . بينه وبين الحكومات. بينه وبين الشعب اللبناني. 

ومحاولات تحميل اللبنانيين كل اللبنانيين مسؤولية "مواقف" الحزب، أما الحقيقة فهي تحميلهم مسؤولية هزيمة اسرائيل في كل الحالات. شنّت حملة على "الطبقة السياسية". على المال بعناوين مختلفة. يحاولون إعادة لبنان الى الأيام الماضية لكن من خلال حرب مختلفة بعد سقوط الخيارات الأخرى. حرب "الخنق". "الخنق" المالي. الاقتصادي. اليوم يتحدثون عن "أمراء" الحرب وضرورة التخلص منهم. وعن أموالهم وعن عقوبات ضدهم!! وهم أنفسهم الأميركيون قبل غيرهم قالوا بوضوح أنهم دفعوا مليارات الدولارات لما يسمى منظمات المجتمع المدني. ويستعدون لدفعة جديدة تحضيراً للانتخابات. هم لهم الحق أن يدفعوا. وغيرهم له الحق أن يقبض. لكن الذين كانوا يقاتلون وبعضهم كان مدعوماً من قبل الأميركيين والغربيين عموماً وكان يقبض المال وأحياناً كانوا هم يطالبون بدفع المال ومساعدته. الحرب لم تكن بالصلوات. اليوم استفاقوا وغيّروا وجهتهم !! أما مسألة حزب الله، فلنكن صريحين: هذه أميركا تفاوض "حماس" بطريقة غير مباشرة، هي طلبت منها وقف النار عبر القاهرة، وتعتبرها منظمة إرهابية. وقال وزير الخارجية بلينكن: "حماس" تستغل مشاعر الناس. ولا بد من تقديم مساعدات لغزة!! يعني لم يذهبوا الى معاقبة غزة. كل غزة. 

وهذه أميركا فاوضت وتفاوض "طالبان" "الإرهابية" لتؤمن انسحابها من أفغانستان بأمان. وهي أميركا نفسها فاوضت "الحوثيين" بعد أن صنفتهم إرهابيين ثم قالت إنهم شرعيون. لهم شرعية في اليمن. وهم من الحقائق الموجودة على الأرض. والرئيس ماكرون نفسه قال: إن حزب الله انتخبه اللبنانيون وهو موجود... فلماذا إذاً هذه الحرب المسعورة؟؟ لماذا لا يعترفون بالحقائق في لبنان؟؟ إنها اسرائيل. إنها اسرائيل هنا بيت القصيد. فليدمّر لبنان. هكذا تتلاقى رؤية أميركا واسرائيل وبعض العرب. ولنعد بناءه من جديد. وهم جديد. يقوم على الخراب والدمار، مسلسل طويل سيكلفنا غالياً. ماذا عن مسؤوليتنا؟؟ 

نحن كلبنانيين نتحمل وكل منّا على قدر حجمه وموقعه استناداً الى مواقفه مسؤولية ما. هذا ليس دفاعاً عن حزب الله وعن أي مرتكب من القوى السياسية. مرتكب في السياسة والعمى السياسي أو الحوّل السياسي المفتعل أو مرتكب على مستوى مالية الدولة وما وصلنا إليه. المقصود التنبّه الى خطر ما يجري ورفع الصوت لتحمّل المسؤولية الوطنية في مواجهته.  للبحث صلة.