سبعون سنة على الانقلاب العربي الأول

عزت صافي |

في مثل هذا اليوم، قبل سبعين سنة بالتمام، وتحديداً قبيل فجر اليوم الاول من نيسان 1949، عاد رئيس أركان الجيش السوري المشير حسني الزعيم مهزوماً من المعركة الاولى في الحرب الاولى مع إسرائيل، فتوجه على رأس رتل من دباباته الى القصر الجمهوري في دمشق، فحاصره، وإحتله، وإعتقل رئيس الجمهورية المغفور له شكري القوتلي، وجلس على كرسيه.

ثم أمر أحد ضباطه بتلاوة القرار الذي وقعه على الرئيس المعزول، وكان نصه التالي مختصراً: "الجيش تسلم مقاليد الامور موقتاً..."

كان الرئيس القوتلي النبيل بوطنيته وعروبته، وثقافته القومية، في لباس النوم، واقفاً مطرقاً، وإذ أمسك الجنود بيديه لاقتياده الى السجن أصيب بعارض صحي مفاجئ فاغمي عليه، ونقل الى المستشفى العسكري مباشرة.

وفي الوقت عينه كانت قوة عسكرية تطوّق منزل رئيس الحكومة خالد العظم وتنقله مخفوراً الى غرفة قريبة من غرفة الرئيس القوتلي داخل المستشفى، ولم يتأخر محافظ دمشق والمدير العام للشرطة بالانضمام الى الرئيسين.

وما إن بزغ فجر اليوم التالي حتى كان مجلس النواب مدعواً لعقد جلسة طارئة، وكان جدول الاعمال محصوراً ببند واحد: التصويت  على الثقة بالرئيس "الزعيم" فنال سبعين صوتاً، وبعد ثلاثة أيام حل الرئيس مجلس النواب، وجرى تأليف لجنة من النواب المحامين لوضع مشروع دستور جديد لـ "الجمهورية العربية السورية" مع مشروع قانون إنتخاب لمجلس نواب جديد "يكفل أماني الشعب، وإعادة حقوقه المسلوبة وحرياته المنتهكة"!

حدث ذلك خلال يومين فقط، ومنذ ذلك اليوم غابت شمس الحرية عن سورية، وبعد ثلاث سنوات (23 أيلول 1952) حدثت ثورة مصر بقيادة جمال عبد الناصر ومجموعة الضباط الأحرار... ثم توالت "ثورات التحرير" ضمن الكيانات العربية...
وفي تلك المرحلة كان لبنان، كما سورية، في السنة السادسة من عمر الاستقلال، وكان الحزب التقدمي الإشتراكي في السنة الأولى من نشوئه بقيادة كمال جنبلاط. وإذا كان إنقلاب سورية قد سبق ولادة الحزب الإشتراكي بشهرين، فالثورة المصرية جاءت بعد ثلاث سنوات، وكان صوت كمال جنبلاط مغرداً وحيداً بين الأصوات اليسارية الشعبية ضد إنقلاب سورية، وضد إنقلاب مصر، وهو إتخذ ذاك القرار بمفرده، وقد واجه حملات إنتقادية من أحزاب وهيئات شعبية يسارية وكان جوابه الدائم ثابتاً لا يتغيّر، وخلاصته: القائد العسكري يحكم الشعب بالطريقة التي يعامل بها الجيش: الامر لي... وهذا يعني ان حرية الشعب، سوف تكون مقيدة بضوابط القرار العسكري. والنتيجة ستكون انخفاض معدل حرية القرار المدني من جهة، وإرتفاع معدل النفوذ العسكري في الشؤون المدنية السياسية من جهة أخرى... وهذا ما تم تطبيقه في "الجمهوريات العربية الديموقراطية" منذ أربعينات القرن الماضي حتى اليوم، أي منذ سبعين سنة بالتمام؛ لا ديموقراطية، ولا حرية، ولا عدالة، ولا إنماء، ولا تقدم، ولا رجاء، ولا صمود، أو تصدي للعدو الإسرائيلي منذ نحو سبعين سنة، إلا في حربين: حرب مصر ضد إسرائيل في صحراء سيناء وعلى ضفتي قناة السويس في العام 1973، ثم حرب "حزب الله"، مدعوماً من الجيش اللبناني في العام 2000، ومنذ ذلك الزمن نعم الجنوب اللبناني، وكل لبنان، بالطمأنينة، وبالكرامة الوطنية، أما في سورية فقد صُدم الشعب الشقيق أخيراً، بإعلان إسرائيل ضم الجولان، مع القدس، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة... وكأن الشعب الشقيق لا يكفيه إحتلال واحد...
...مع الأسف!...