التحدي المصيري

01 تموز 2021 12:29:15 - آخر تحديث: 01 تموز 2021 12:30:38

في زحمة الأزمات التي تتوالى على اللبنانيين يميناً وشمالاً، يصبح الحديث عن أي شيء آخر فاقداً للأهمية، إذ تتقدم معيشة الناس على كل النظريات السياسية والاستراتيجية والتحليلات والقراءات مهما كانت ثاقبة وصائبة.

يعيش لبنان واحدةً من أسوأ ثلاث أزمات مرت بها دول العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر وفق تقرير للبنك الدولي. وحتى في حمأة الحرب الأهلية والاقتتال والمحاور والجبهات لم يعش اللبنانيون مستوى الذل الذي يقاسونه هذه الأيام. طوابير الانتظار في صفوف محطات المحروقات وعلى أبواب المستشفيات غير مسبوقة. الأدوية باتت نادرة التوفر، الحصول على مستلزمات الاستشفاء والعمليات الجراحية أشبه بمن يبحث عن الكنز المدفون، أما المصابون بأمراض مستعصية فاستعصاء تلقي علاجاتهم بات قدرهم. أموال الناس تبخرت، القدرة الشرائية انخفضت عشرة أضعاف بعد أن فقدت الليرة اللبنانية قيمتها بعشرة أضعاف إضافية. الهجرة تتضاعف، للشباب والمنتجين والأطباء والمهندسين وغيرهم من قطاعات العمل. والحبل على الغارب.

وعلى قساوة كل تلك المصائب، فإن هناك ما هو أعظم منها، وهي مصيبةٌ ابتلي بها اللبنانيون منذ أن تحكمت بقرار البلاد ذهنية الأنانية القاتلة الى درجة الانتحار. ثمة من لا يأبه لكل ما تقدم من أزمات، ولا يعير لها أي انتباه أو اهتمام أو أدنى حساب. وهذه الذهنية القابضة على عنق البلاد، تخنقها على وقع المصالح الذاتية وارتباطاً بمصالح خارجية لا شك أنها موجودة ولطالما كانت.

التحدي اليوم مصيري بامتياز: هل يبقى البلد أم يندثر؟!

بحكم القراءة البسيطة لمسار الأمور حتى الساعة البلد ذاهب الى الاضمحلال على مستوى السلطات الدستورية والمؤسسات والادارات العامة، التي تتلاشى تباعاً وتنهشها التدخلات السياسية وتدمّرها تداعيات الانهيار المعيشي والمالي. المجتمع الى مزيد من التحلل وربما التقوقع بفعل كل العوامل الآنفة. ملامح الفوضى نراها يومياً في كل إشكالٍ على محطة وقود او على غالون زيت أو على علبة دواء أو على باب مستشفى ...

ولأن الأمور بهذا الدرك من الانهيار وفي هذا المستوى من الخطورة، لم يعد من وقت متاح، ومقومات الصمود انتهت، والمطلوب واحد: تغيير الذهنية لكي يتغير الأداء. التعامل بذهنية رجال الدولة، ذهنية الحرص على الوطن قبل الحرص على مصالح شخصية، ذهنية الحس بالمسؤولية والواجب، ذهنية الشعور بمعاناة الناس، ذهنية تحسس الواقع المؤلم، ذهنية الاعتراف بالواقع، ذهنية الاقتناع أن كل ما تمّت تجربته لم يعد مفيدًا لا بل هو مضرّ لدرجة قتل البلاد والعباد، ذهنية الإدراك انه اذا لم يبق البلد لن تبقى مواقع ولا كراسي لتوليها، ذهنية الإقرار بأن أحداً لن يساعدنا قبل أن نصبح بمستوى المساعدة.

فهل يدرك المعنيون ذلك قبل إعلان وفاة لبنان؟