المختارة: المسقط... والهوى

ايمان ريدان |

تعيدنا الطبيعة دائما إلى المنبع النقي للأشياء والصور والعواطف والذكريات...

لم تعرف المختارة الشوفية التي اقترنت بآل جنبلاط منذ القرن السابع عشر، حين (اختارها) الشيخ علي جنبلاط موقعا لبناء قصره الفريد على أنقاض قلعة رومانية، أنها ستكون في فلك الحدث لمئات مقبلة من السنين، وأحيانا كثيرة هي الحدث نفسه. فذاك الموقع جغرافيا، كان المحطة الرئيسة للقوافل على ممرّ الشوف-البقاع (عبر كفريا). وكان الدرب الإلزامي للقادمين من مملكة صيدون (صيدا)، للوصول إلى غابات شجر الأرز الخالد. 

هو المدخل إذن من باب الجغرافية، والتاريخ العريق -وقد طغى- فحملت وهي الوادعة في الشوف، اسما أكبر من مساحتها الجغرافية وتعداد سكانها، ولكنها وبحكم ارتباطها بالاسم الجنبلاطي، كانت الرمز الأقوى والأصلب لمرجعية الدروز منذ  حقبة الاستعمار العثماني ثم فترة الانتداب الأوروبي، وحتى الاستقلال وما تلاه. وعلى الرغم من أنها كانت ضمن أملاك الإقطاعية في ذاك الزمن، إلا أن اشتراكية المعلّم الحديثة -وهو الغنيّ عن التعريف- وَهبَت، ووزّعت، وعملت على تطبيق المبادىء، انطلاقا من تلك الأرض، لإعطاء فرصة العيش الكريم واللائق لأبنائها، وتوفير أفق التطور في الحياة. ولتكون المختارة المدماك الأول في وطن مُشتهى، يكبر فيه المواطن الحرّ والشعب السعيد.

كم رافقني وهجُ الاسم ورنينه، وكبُر حتى هالة القداسة، من دون أن يكون لذلك نزعة شوفينية متورمة. في ذهني وفي الواقع، هي لم تكن أبدا إلا الدار المفتوحة للجميع. لا أحد يمّمها من أطراف الوطن -على اختلاف المشارب والمقاصد- وعاد خائبا... فدربها واضحة وذات عنوان ثابت؛ السلم الأهلي، المحافظة على تنوع نسيج المجتمع، والمصالحة بعد طيّ صفحات قاتمة عبر التاريخ، أحكم كتابتَها مستعمرون ومحتلون ومتآمرون، ومتورطون من كلّ مذاهب وطوائف أبناء تلك المنطقة. وعلى فداحة الخسائر التي أصابتها، كما باقي الوطن، لم تضيّع يوما هويتها الوطنية وانتماءها العربي، كما لم تحد عن اتجاه البوصلة الصحيح، صوب فلسطين.

هكذا تتضافر عناصر صورة المختارة؛ التاريخ والجغرافيا والسياسة لصنع إطارها الذهبي. وأما فضاؤها فموشّح بجمالية مستمدّة من أجواء الشوف العميقِ الخُضرة والزرقة. 

كم أحيا نبع عين مرشد مشاويرنا الصيفية، هو الشهير بجماله وزخم مائه المتساقط شلالا ورذاذاً، متباهياً بمروره تحت جسور البلدة القديمة العائدة إلى عصر المماليك. ومن ينسى انبساط مرج بسري حين يلتقي بالشوف السويجاني بمعبر روماني صخري شاهق يدعى حسب بعضهم جسر بو مطر، أو تحت مسمى آخر لأبناء القرى المجاورة. ولكن الكلّ يتفق على استثنائية بركة العروس وقصتها الحزينة. وقد تصادفك هناك بقايا شواهد كـ"مطحنة بدّي" الصامدة، أو تصعد جسورا خشبية فوق نهر سلمان، حيث تلتقي مياه نبع مرشد بأحد روافد نهر الباروك. وقد دفعت هذه الكنوز -المجهولة للكثيرين من أبناء الوطن- بمحبّي الطبيعة من أبنائها، وبالتعاون مع محمية أرز الشوف إلى إقامة "درب الجبل" للمشي، والتصالح مع الطبيعة والنفس.

أما روائح القندول والوزال الأصفر، وانغماس شقائق النعمان بدم ادونيس لإحياء الأرض وتزهير حقولها، فمشهد مستعاد دائما من ذاكرة الطفولة، يحدّد معالم الطريق إلى "ضهر الشكارة" في أعالي المختارة على وقعٍ نوراني الهوى، حيث كان يتعبّد كمال جنبلاط في صومعته المتواضعة.

هنيئا لمن كانت ملاعب طفولته في أحضان الطبيعة، تعيده إلى الجذور المتمسّكة بالإنسان أولاً وآخراً، فتقرُب منه سماء رحيمة، رحبة، صباغها من حُبّ وتسامح... وألوان حياة.