أفغانستان تبحث عن مستقبلٍ آمن وسط هياج مُخيف في الداخل والخارج

24 حزيران 2021 17:08:23 - آخر تحديث: 24 حزيران 2021 17:08:24

إذا لم يطرأ مستجدات غير عادية؛ فإن الإنسحاب الأميركي والأطلسي من أفغانستان سيكتمل قبل حلول 11ايلول القادم  ذكرى مرور 20عاماً على الهجمات الإرهابية التي استهدفت برج التجارة العالمي في نيويورك وغيره من المباني في ولايات أخرى، وكانت سبباً رئيسياً لإحتلال الولايات المتحدة الأميركية للبلاد للقضاء على منظمة القاعدة التي كانت تقف وراء الهجمات. وخلال هذه الفترة العصيبة قبل تنفيذ كامل الإنسحاب؛ يغلُب الإرتباك والغموض على الأوضاع في أفغانستان، ذلك أن المباحاثات التي يقودها المبعوث الأميركي زلماي خليل زاده مع الأطراف المتخاصمة لم تصل الى حد ضمان مساكنة سياسية بين الفرقاء، والهجمات التي تتعرَّض لها القوات الحكومية من مقاتلي حركة طالبان هذه الفترة تنمُّ عن نوايا تغييرية، أكثر مما توحي بالإستقرار.

المعادلة الراهنة مُخيفة، وخارطة المواقف متشابكة، وإعادة النظر بالمقاربات التي أسست لها قرارات الرئيس الأميركي جو بايدن بالإنسحاب؛ واردة في أية لحظة، لأن أي من الفرضيات التي إعتمدت للمستقبل الأفغاني لم ترسو على بر أمانٍ بعد، وخطر إندلاع حرب شاملة في البلاد قائم، كما أن خطرعودة تنظيم القاعدة الى الظهور مجدداً قائمٌ أيضاً، وزيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني ومعه رئيس لجنة الحوار عبدالله عبدالله الى واشنطن؛ محاولة للبحث عن مستقبل آمن بعيد المنال، وسط هياج مُخيف في الداخل والخارج.

القرار الأميركي بسحب القوات المتبقية في أفغانستان ثابت حتى الآن، والمهم بالأمر ليس مغادرة 2500 ضابط وجندي أميركي للبلاد فقط، فمع هؤلاء سينسحب جنود كافة دول حلف الأطلسي ال 12 الف، وهناك ما يزيد عن 16 الف من الأفغان يعملون مع القوات الأميركية سيفقدون دورهم ووظائفهم، كما أن التقارير الأمنية المتنوعة أشارت الى خطر مُحدق يطال الدبلوماسيين الذين يتواجدون في كابول، ولا يوجد أي ضمانة لأمن هؤلاء بعد مغادرة قوات الأطلسي للبلاد.

حركة طالبان ترفض بقاء أي من القوات الأجنبية في أفغانستان، ولم توافق على إقتراح ابقاء مطار خالد كرزاي الدولي محايداً بحماية قوات أطلسية، وقد فشلت تركيا في مساعيها الرامية الى الحلول محل قوات الأطلسي التي تحمي السفارات الأجنبية والمطار، ولم توافق حركة طالبان على هذا الإقتراح.

تماسك الرئيس الأفغاني أشرف غني وايجابيته لا تعنيان أن الحكومة الأفغانية قادرة على مواجهة الوضع بسهولة بعد إنسحاب قوات الأطلسي. وهناك مجموعة كبيرة من المشكلات التي ستنتج عن الإنسحاب يصعب التعامل معها من دون معونة كبيرة، خصوصاً لكون رئيس مجلس المصالحة عبدالله عبد الله - المنافس لغني والصديق له في آن- يحاول الإبقاء على تواصل مع جميع الأطراف، ولا يريد لعب دورمتطرِّف كفريق في النزاع القائم، كما أنه غير متحمس لتذليل العقبات الشخصية الشائكة التي تواجه غني، وهناك أطراف أفغانية أخرى غير طالبان تبحث عن دور مستقبلي ايضاً، ولا تدافع عن الحكومة الحالية بما يكفي. وبين هذه وتلك من الصعوبات، تبرز الأزمات المعيشية الخانقة، والإنسداد السياسي، وهما عاملين مساعدين على الغموض القادم. وجيران أفغانستان – خصوصاً ايران وباكستان - لهم حساباتهم الجيو- سياسية والجيو- ديمغرافية، وليس لديهم القدرة على تقديم مساعدات إقتصادية، كما أن المحاور الدولية على إختلافها ذاقت الّلوعة من تجارب الماضي، ولا يبدي أي منها حماسة لتبنِّي رعاية الدولة المتهالكة.

تهديد القوات الأميركية بالعودة الى أفغانستان إذا ما تعرض دبلوماسييها او أي من قواتها للخطر ليس كافياً لرد الإندفاعة الطالبانية. وطالبان تعتبر أن حماية البعثات الدبلوماسية من مهام الأفغانيين كما هو عليه الحال في كل أنحاء العالم. لكن الإتحاد الأوروبي وبعض البرلمانيين الأميركيين أشاروا علناً الى عدم ثقتهم بحركة طالبان، وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة ديبورا ليونز تقول: أن الخطر لا يقتصر على حياة الدبلوماسيين وأفراد المنظمات الدولية الإنسانية، بل سيطال المدنيين الأفغان ايضاً، لأن سجل الصراع بين أطراف الداخل الأفغاني طويلٌ جداً، وهناك الآلاف من المواطنيين الذين تعاونوا مع القوات الأميركية، او عملوا معها مهددين بسلامتهم الشخصية.

دوافع هذه المخاوف لها ما يبررها، لأن الهجمات التي تنفذها حركة طالبان في هذه المرحلة شملت مراكز مدنية وإنسانية. ذلك ما حصل أثناء مهاجمة مدرسة في كابول في 8ايار(مايو) الماضي، وعندما إقتحمت قوات طالبان مركز لخبراء نزع الألغام في إقليم بغلان الشمالي في 9 حزيران، وسقط في الهجومين عدد كبير من الأبرياء غير المعنيين بالصراع بين قتيلٍ وجريح. والهجمات التي تحصل على قوات الحكومة في عدد من الأقاليم تُشير الى عدم الإلتزام بمندرجات الحوار الذي يجري في الدوحة، والذي يشمل ضرورة تحييد القوات النظامية عن الخلاف، بإعتبارها ضمانة لجميع المواطنيين من دون تمييز، وهذه القوات تتقيد بأوامر السلطات الشرعية المنتخبة أياً كان أشخاصها.

ومن اللافت والمُخيف في آن؛ أن مناطق في ولايات متباعدة جغرافياً سقطت بيد المعارضة، وانسحبت منها القوات الحكومية، لاسيما في ولاية فارياب في أقصى الشمال الغربي، وولاية غزني في الجنوب الشرقي وولاية بادغيس في الغرب. وهذه المؤشرات قد تدلُّ على إمكانية إنفلات الأوضاع على شاكلة واسعة بعد إتمام الإنسحاب الأطلسي، وهذا ما حذَّرت منه المانيا التي لها ما يزيد عن 1200 جندي في أفغانستان من ضمن القوات الأطلسية، وبرلين سبق أن إنتقدت قرار الرئيس بايد بالإنسحاب الفوري، لأنها تعتبر أن هناك خطر مُحدق يُهدد بإنهيار الدولة برمتها بعد الإنسحاب.

غموض يحيط بمجريات الأوضاع في أفغانستان، قد يفتح أبواب جديدة على الفوضى التي لم تهدأ منذ 40 عاماً، كما قد تُعيد مساحة آمنه للمنظمات الإرهابية، إلا إذا ما أدركت قوى الشعب الإفغاني المختلفة – بما فيها طالبان – أنهم دائماً مَن يدفعون الثمن.