وليد جنبلاط والثوار تطابقٌ لا تعارضَ

23 حزيران 2021 15:41:54

وتسألونني كيف أكون ثائراً، ومع ذلك أبقى على قناعاتي برفع لواء التقدير والاحترام والعرفان لوليد جنبلاط، وتمييزه عن كل الطبقة السياسية. وأنا أقول إنّه تطابقٌ لا تعارضَ فيه.

وهل يسمح السائلون لي، ولأنّهم ديمقراطيو الهوى، وعشاق حرية، ومنفتحو العقل، لماذا لا تناقشون مع بعضكم ومع أنفسكم، تجربة وليد جنبلاط مع هذا النظام الهجين؟ بل ولماذا لا تقارنون بين تجربته مع النظام، وتجربة كمال جنبلاط الذي قال فيه أخصامه، وكانوا من أهل النظام ومن الثائرين على النظام على حدٍ سواء عندما كان حياً، ما لم يقله مالكٌ في الخمر. فإذا قضى شهيداً رفعوه إلى مصاف أصحاب الرسالات، ولو لم تأخذ الغوغاء حينها بالأهواء، لكان منقذاً لنا من الوصول إلى ما نحن عليه الآن. ولكنّ الدهماء دائماً تستسيغ الصراخ أمام منصات المقاصل، وترداد هتاف اصلبوه، ولو كان المصلوب مسيحاً وسبب صلبه انحيازه لمن يهتفون ضدّه.

 يغادر وليد جنبلاط أسوار سجنه القسري في طائفةٍ رسم حدود قلعتها نظامٌ عفن، فلا يجد قبالته من يخرج من حصنٍ آخر لملاقاته، اللّهم إلّا بعض المتنورين وبعيدي النظر، كما فعل البطريرك صفير، أو كما اندفع آخرون في لحظةٍ تاريخية إلى ساحة الرابع عشر من آذار، حتى إذا انقضت اللحظة، اُغلقت الأسوار من جديد على مَن فيها، وإن كان فيهم مَن يناصر الثوار، ويتمنى انتصارهم، فيصير امتشاق جنبلاط لموقفٍ وطني موحّد تعدياً على طائفة، ومساعدته لمؤسّسات على اتّساع الوطن تدخلاً في شؤون الغير، وانتقاده لأداء النظام، وفضحه لمثالبه وموبقاته اصطياداً في الماء العكر، أو طمعاً بمكسبٍ انتخابي.

يكون (وليد جنبلاط) آخر من يوافق على ما تُجمع عليه الطبقة السياسية بعد أن يصبح أمراً واقعاً، فيسير كالأسرى مجبراً وبلا نصير، ليصبح عند الدهماء مهندسَ ما أتاه النظام من فواحش، أكانت ممارسات، أو قوانين، أو انتخاب رؤساء. ويقول عن نفسه إنّه من الطبقة السياسية ليتسنّى له شرح مساوئها، وتداركاً لاتّهامه بتبرئة نفسه، فتلتصق به التهمة التي ساقها ليعرّي المرتكبين، وكأنه هو المرتكب.

مساحة سجن الطائفة التي عُيِّن عريفاً لقاووشها رغماً عنه، أصغر بكثير من حجمه وفعله وقوله في السياسة، ومن تأثيره على مصير البلد بالأمس واليوم وغداً. ومفعول تعريته لأهل الحكم بانتقاداته لهم وفضح ارتكاباتهم، يساهم في تقويض أسس النظام أكثر من مئات التظاهرات، والاعتصامات، والاحتجاجات، التي تهدف إلى نفس الغاية.
 
نعم أنا ثائرٌ على هذا النظام العفن، وعقلي وقلبي لا يرضيهما إلّا نظام علماني لا- طائفي، تحكمه المساءلة أياً كان المرتكب. ولكنني لا أرى في وليد جنبلاط إلّا رافعةً لكل نضالٍ، أياً كان مناضلوه، للوصول إلى النظام المنشود. ولا أرى أحداً أقرب مِن هذه الشخصية الوطنية إلى التحالف مع القوى الكامنة في هذا الشعب لتغيير الواقع المخزي والوصول إلى مستقبلٍ مشرق.

فليخرج جميع الثوار من بوابات سجون أحكامهم المسبقة، وأسوار ما ترسمه الدهماء من صورٍ عندما تقول اصلبوه، وليتحالفوا مع هذا المعانِد للطبقة السياسية من داخلها، كما أباه من قبله.

لستُ فرداً في هذا النظام، ولا في أحزاب هذه السلطة الفاسدة، ولا متنعّماً في بلاط أي سلطان أو زعيم، بل إنسانٌ يقايض كل سني عمره برؤية مشهد سقوط سلطةٍ غاشمةٍ، وارتفاع نظام عادل. ولكنني لا أرى تعارضاً بين صورة جنبلاط في ذهني، وصورة المنتفضين في 17 تشرين، بل أرى تجسيداً للتماهي بين عبق التاريخ، وحراك الحاضر، وحلم المستقبل .