تاريخ التسويات الجنبلاطية

19 حزيران 2021 16:00:01

بدأت هذه التسويات بعد اغتيال كبير شهدائنا، ودماء المعلم لم تجف، ذهب وليد جنبلاط وعقد تسوية مع قاتل أبيه. 

وبعد الاجتياح صعد إلى بعبدا ليعقد تسوية مع الرئيس أمين الجميل، ويُبعد الكأس المر عن لبنان عامة، والجبل خاصة. 
بعدها خاض بشجاعته المعهودة حرباً فُرضت عليه وحاول جاهداً تجنّبها، ألا وهي حرب الجبل، وبعدها تحرير الشحّار، ومن ثمّ فتح وحيداً ملف المهجرين، والذي سقط في بدايته أنور الفطايري شهيداً. 

لم ييأس وليد جنبلاط من التسويات، وهو الذي يستند دوماً إلى قوة الموقف، حتى سلكت تسوية المهجرين طريقها إلى النجاح مع البطريرك صفير. 

إنّ للرجال مواقفاً تستند على الوطنية الصادقة، المستندة إلى تاريخٍ عريقٍ في تمثيل الناس، والمحافظة عليها في السلم كما في الحرب. 

بعد اغتيال ألرئيس الحريري، وانقسام البلد بين 8 و 14 آذار، وحفلة وداع الاحتلال السوري من قِبل فريق 8 آذار،  دعا وليد جنبلاط إلى تسوية تكسر حدة الانقسام في البلد، فكان الاتفاق الرباعي الذي خاض الانتخابات النيابية على وقع جمره. 

بعد ذلك في 2008، وعلى إثر اجتياح بيروت والجبل من قوى 8 آذار، والتي كانت فتيل انفجارٍ نزعه وليد جنبلاط بما يملك من تأثير وقوة إقناع. وأورد هنا صورة مما كان يحدث في  تلك المرحلة المؤلمة (وليد جنبلاط محاصر في كليمنصو، ويعطي توجيهاته بفتح مراكز الحزب للجيش اللبناني. ولكن مع الناس المندفعة صوناً لكرامتها وبقائها كانت هناك صعوبة كبيرة في إقناعها، وفي لجم هذا الاندفاع الذي حوّل القرى والدساكر بوقتٍ قصير إلى جو حرب غير متكافىء الفرص).

انتهت المعمعة بما انتهت إليه فجال بين أهله معزياً بالشهداء، مطمئناً الناس، وحزم حقائبه إلى الدوحة حيث كانت التسوية الشهيرة. 

إنّ مواقف الرجال والقادة الحقيقيين لا تتطلّع إلّا لحفظ الشعب من الأخطار التي تواجهه إن كانت أمنيةً، أم اجتماعية، أم صحية، أم اقتصادية، ولا مكان عندهم لحسابات الربح والخسارة بالمفهوم المحاسبي، بل التقييم هو بالمفهوم  الوطني المستند على الحفاظ على الشعب، من الشمال إلى الجنوب، متخطياً الحسابات المناطقية الضيّقة. 
 
لست هنا لأدافع عن مواقف وليد جنبلاط التي استظل بحكمتها وصوابيتها في الرؤية الصادقة لمصلحة الشعب، ولا لأقارن بينها وبين غيرها من المواقف التي تعتمد على مبدأ الحسابات الضيّقة بالمفهوم المحاسبي، وليس الوطني. 

إنّ المؤلم هو موقف بعض مَن عاصروا وليد جنبلاط ولم يدركوا أنّه الوحيد الثابت، الصامد، المدافِع عن حق الناس في العيش بكرامة وأمن وأمان. يزايدون عليه بآراءٍ شعبوية لا تعطي نتيجة في خضم مواجهة الأزمات التي تهدّد الوجود. 

وزيرٌ بالزائد، وحقيبة بالناقص، وشكليات لا تؤمّن علبة حليب لطفل، ولا رغيفٍ لجائع، ولا حبة دواء لمريض. إنّها تهدّد وجود بقاء وطننا على خارطة العالم، وأغبياء سياسيّينا، وبعض من مواطنينا، لا يزالون مختلفين على جنس الملائكة. 

ودوماً وأبداً سنعود إلى التسوية، وننعم بجمالها. لماذا لا نختصر الجوع، والفقر، والعوز، ونستمع إلى صوت العقل البعيد عن حسابات الربح والخسارة، ونجري تسويةً تستند على مصلحة الشعب، كل الشعب، ونشكّل حكومة بالتعاون مع مَن بقيت أيديه ممدودةً لمساعدتنا في الخروج من ظلمتنا وواقعنا.