أوروبا خاملة...عندنا

النهار |

لا حاجة لتوصيف التفجُّر القائم والمقبل علينا منه أكثر في الشرق الأوسط. فلسطين تعانِد مقصلة التصفية. سوريا أربع توتاليتاريّات تتقاسم أشلاءَها. لبنان ارتضى استسلاماً غير مشروط سِوى باعتراضاتٍ لفظيّة. العراق ينزف ببطءٍ مع محاولة إنعاشٍ جاهدة. الأردن صامدٌ ثابتٌ ويستحق إعجاباً على حكمةٍ هاشميةٍ هائلة.
بقدرِ اللاّحاجة لتوصيف تشلّعات الشرق الأوسط، بالقدر عينه ثمّة حاجة لفهمِ الوَهَن الأوروبي والانكفاء عن أداء أيّ دورٍ فاعل تُجاه هذه التشلّعات، سيّما وأن الولايات المتحدة كثيفة الارتباك، وروسيا عميقة البطش في اعتنائها بإعادة إنتاج المسألة الشرقية، والصين متمترسة في حيّز مدٍّ اقتصادي باتجاه الولايات المتحدة وأوروبا معاً، وإيران منغمسة في تنفيذ رؤيتها المعقّدة الايديولوجيّة، ومجلس الأمن مغرِقٌ في تكرار لازماتٍ من روتين الفِعل الإداري  أكثر منه استدامة السياسات الدولية في صنعِ السلام.
والحِرص الذي أودَّه لفهم الوَهَنِ الأوروبي قائمٌ في قناعةٍ راسخة بأن في الاتحاد الأوروبي تحديداً، منظومة ودولاً على حدٍّ سواء، تبقى، إلى جانب مساحات التلاقي أو التحالف المصلحيّ، تبقى مساحاتُ قِيَمٍ حتّمتها سياسات الجوار الأورو – متوسّطي على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة الى سياقٍ تاريخي أبقى في أوروبا قيمةً لكرامة الإنسان أولاً، والاستقرار المجتمعي ثانياً، قدَراً من الأولويّة.
ثم إنّ استدعاء دورٍ أوروبي مفقود في الشرق الأوسط، لا ينفي بأي شكلٍ من الأشكال سياديّة دولِ هذا المربّع الحضاري، بقدر ما ينزِع الى التوجّس مما تمارسه روسيا وإيران وتركيا، دون تنزيه أو تبرئة الولايات المتحدة الأميركية من غضّ الطرف للتدمير المنهجي الذي يواجهه هذا المربّع. أوروبا مؤتمنة على تدخلٍ توازُني يعيد للاستقامة الأخلاقية مكانتها بالحدّ الأدنى.
في أي حال، وبمنأى عن الاستغراق التنظيريّ، قد يكون من المفيد مواءمة حالة بعضٍ من الأزمات الكارثية في الشرق الأوسط، وما يفترض أن تحمله فيها أوروبا من سيناريوهات مبادراتٍ، دون تجاهل موجات اليمين القومي الشعبوي المتصاعدة في قلب القارة العجوز، والتي على ما يبدو تُعِدّ العُدّة للاستيلاء على ما تبقّى من عقلانية في مواقع الحُكم العالمي، الى المعطوبيّة البريكسيتيّة التفتيتيّة.
وتستند هذه المواءمة المفترضة الى تعقيدات ما يواجهه الشرق الأوسط من أزمات، وانعدام أفقٍ لمخارج هادئة، وإلحاح استنباط تحرّكاتٍ من خارج المنطلقات التقليدية، وتحديداً في فلسطين وسوريا. العراق يسعى الى تدبُّر ذاته. لبنان أُحكِمت القبضة عليه. والأردن أدام الهدوء في استقراره ومناعته.

1-    أوروبا وفلسطين!
أوروبا تدخّلت بجرأة لردم الفجوة التمويلية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بعد قرار الإدارة الأميركية حجب المساعدات عن الوكالة.
جُرأة القرار لم يوازيها نفسُ ديبلوماسي لإعادة استنهاض عمليّة السلام في الشرق الأوسط، مع الدّفع باتجاه حشرِ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية معاً في زاوية انهماكهم في فرضِ واقعٍ مدمّر أحادي الجانب. ديبلوماسية الاتحاد الأوروبي تعاني خمولاً. دورها ليس تمويليّاً إنسانيّاً فحسب، بل يقتضى انخراطها في دينامية سياسية يلاقيها نفسٌ من الانتلجنسيا الأميركية والروسية والعربية. إستقالة أوروبا من فلسطين هي أوشفيتز مقيت بحق الشعب الفلسطيني وحقوقه.

1-    أوروبا وسوريا!
مع قرار الرئيس الأميركي الشعبويّ دونالد ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان في مخالفة واضحة لقرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة، بات العالم مشغولاً بالقرار أكثر منه بالأزمة السورية عينها بما يضفي ذلك من تعقيداتٍ على المشهد الشرق أوسطي. أوروبا اكتفت بالتعبير اللّفظي كذا ردّة الفِعل كانت في مسألة القُدس. الاستنكار والرّفض لا ينتجان ديبلوماسيّة فاعِلة. من هنا أوروبا مدعوّة لمبادرة تجاه مجلس الأمن تعيد الاعتبار للتوازن في منظومة القانون الدّولي.
أوروبا ما زالت متمسّكة بمسار جنيف للحل السياسي في سوريا. هذا التمسّك لم يوازيه بحثٌ أوروبي مع الحلفاء والأصدقاء عن كيفيّة لجمِ روسيا وإيران وتركيا، ومن يأتمِر بهم، عن استمرار انتهاك حقوق الشعب السوري وطموحاته. الاكتفاء بتمويل حاجات اللاجئين والنازحين، والتأكيد على أن لا تمويل لإعادة إعمار قبل الحل السياسي، هذان الاكتفاء والتأكيد لا يكفيان بل يفاقمان المعاناة والوجع واللّاأفق.
دور أوروبا ليس تفصيلاً في سوريا إن استوعبت معنى بروكسيل (1) و(2) والمقبل (3). تحويل التدخّل الإغاثي التنموي الى مسارٍ لسلامٍ ديموقراطي مستدام، وحده كفيل بوقف الانهيارات وتحديدٍ سليم لما يعتبره البعض مراكمة انتصارات هنا وثّمة.
********
أوروبا وهِنة ومستقيلة تماماً من مهماتها الأخلاقية. لا أدري إن كان بَعدُ أمامنا فرصة... لكن حين تلتقي في باريس وبروكسيل وجنيف وبرلين ولندن ديبلوماسيين متقاعدين مخضرمين، أو خبراء في الجيوبوليتيك، أو صحافيين، تجد ذاتك أمام هواجس مشتركة وتطلّعات متطابقة... لكن!

*زياد الصائغ*