نظام التوازنات يغلب الأقوياء: الشارع سبيلاً للتسوية

18 حزيران 2021 07:42:29

لا يمكن لما جرى في الشارع يوم أمس الخميس 17 حزيران، أن يؤسس لأي بناء سياسي. فهو تسابق للقوى السياسية السلطوية اللبنانية على اقتناص الفرص وتوزيع الأدوار، في عملية شد العصب واستخدام الشارع في منازعاتها. وتنحصر معاني ما حصل ويحصل بإشارات التصعيد في ظل الخلاف المستفحل بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب: ميشال عون ونبيه برّي.

صيغة توازن القوى

وحقيقة الصراع وخلفياته قائمة بين جهة تؤيد اتفاق الطائف، وجهة أخرى تعارضه على نحو غير علني. وصيغة الطائف تشبه صيغة الميثاق في العام 1943، التي تمنح الأطراف الأساسية استخدام حق الفيتو، وتمنع قيام ما يشبه "ديكتاتورية" طرف واحد، وترسي الحكم والحياة السياسية على أطراف متعددة. وهذا يفرض توازناً شكلياً في السلطة، يصعّب على الطرف القوي أو صاحب القوة الفائضة، التحكم وحده في بمواقع السلطة. ويطلق البعض تسمية "الصيغة الطوائفية" في الحكم اللبناني.

وهذا يعني أن الجهة السنية، والتي يستضعفها اليوم الطرفان الشيعي والماروني، تبقى قوة أساسية بقوة ذلك التوازن، لتتمتع بالتأثير في النظام بقدرة تفوق قدرتها الحقيقية. وذلك بفعل نظام التوازن بين الطوائف، والحق الدستوري لموقع رئاسة الحكومة. وتنسحب هذه الآلية على المسيحيين، بصرف النظر عن حالات ضعفهم وقوتهم، ومنها حال القوة التي يدعونها، على غرار ما يقول ميشال عون.

أما الطرف الأكثر قوة (الثنائي الشيعي) فغير قادر على ممارسة سلطته في الحكم ومؤسساته بالحجم الكامل لقوته، لأنه مجبر على الأخذ أو الصدوع للتوازن السياسي بصيغته الطائفية. وهي صيغة لا تسمح للأطراف القوية بالاستقواء على  الأخرى الضعيفة، وتسمح للضعيف بحقه بالبقاء وتقوية قدرته لتأمين مصلحته وتحقيق مكاسبه في النظام السياسي.

لكن القوى السياسية اللبنانية تضخمت براعتها في استخدام هذه التركيبة لتبتز كل منها الأخرى، وتحقق المزيد من المكاسب. وذلك باتباعها أخيراً عمليات تعطيل الحياة الدستورية والسياسية.

وبسبب هذه الصيغة لا يستطيع حزب الله استخدام قوته الفائضة ليكون حاكماً وحيداً بأمره. ولذا يحرص على علاقته بجميع الأصراف.

عون وقوة حزب الله
أما الصراع في الشارع اليوم -وهو أتخذ طابعاً شخصياً بين عون وبرّي- فينطوي على رفض قوى الطائف انفرادَ عون بإدارة البلد. وخصوصاً أن غياب الحكومة أحدث خللاً كبيراً في علاقة مجلس النواب برئيس الجمهورية. وهذا ما انعكس بوضوح في بيانات التصعيد والمواجهة بين الطرفين.

والدلالة الأبرز لهذا الصراع، هي أن اتفاق الطائف لا يزال صالحاً لإدارة التوازنات السلطوية في لبنان. وهو اتفاق يستمد شرعيته من القوى التقليدية العتيقة التي كانت ضالعة في اللعبة السياسية. لكنه كرس في مرحلة ما بعد الحرب (1975 - 1990) دخول أحزاب هذه الحرب أو ميليشياتها إلى السلطة، إلى جانب التقليديين. وذلك طوال حقبة "الوصاية" السورية على لبنان.

وبعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 أضيفت قوتان مستجدتان إلى تلك القوى: حزب الله وميشال عون وتياره العوني، وقد نشأ بينها حلف متين بعد "تفاهم مار مخايل" (2006).

والصراع حسب الطائف، مداره ومحوره المصالح والمغانم والانتفاع من المواقع في الحكم والسلطة. وهو صراع تنظمه صيغة أو آلية توزيع النفوذ والمغانم، من دون ضرب التوازنات. لكن ما سعى ويسعى إليه العونيون هو الخروج من الطائف وعليه، للقبض على مقاليد السلطة عبر رئاسة الجمهورية، استناداً إلى قوة حزب الله، الذي يفضل الوقوف متفرجاً في هذه المرحلة، وعدم اتخاذه موقفاً حاسماً إلى جانب طرف ضد الآخر.

حصار رئاسة الحكومة 
وما حصل في الشارع أمس الخميس انعكاس لهذا الصراع. لذا لم تشهد الحركة الاحتجاجية تجاوباً يعتد به. فغاية الصراع ووظيفته الأساسية هما النزاع المستفحل على تشكيل الحكومة وتوزيع مغانم السلطة.

ويمارس نبيه برّي ضغطاً على حزب الله ليسحب جزءاً من الغطاء الذي يمنحه لجبران باسيل. ولذلك، لم ينعقد اللقاء بين وفد من حزب الله وباسيل، لأن ذلك كان يمكن أن يعطي إشارة إيجابية لباسيل وعون على حساب برّي.

ومعروف أن حزب الله ضد اتفاق الطائف. وهو يلتقي مع عون على ذلك. ولكن منطلقات الطرفين في اعتراضهما على الطائف، مختلفة.

والنظام الذي يعيشه لبنان حالياً هو نظام اتفاق الدوحة، الذي شكل المحاولة الأولى لنقض صيغة الطائف وصيغة الـ43. والتسوية الرئاسية بين عون وباسيل من جهة وسعد الحريري من جهة ثانية، كانت نتيجة تطور طبيعي لاتفاق الدوحة. وهدفها سيطرة مستفحلة على مؤسسات الحكم والدولة والإمعان في تقاسمها.

لكن الدوحة حاصر موقع رئاسة الحكومة، وجعله مداراً للتجاذبات والصراعات للسيطرة على السلطة التنفيذية سيطرة كاملة. وهنا يكمن منطلق المطالبة بالثلث المعطل ومعناه. والنظام اللبناني عملياً يعيش في حال تغيير، ما يعني أن طبيعة لبنان السياسية تتغير في مجالات مختلفة، اقتصادياً، ثقافياً، واجتماعياً.

والصراع الحاصل اليوم هو انقسام ناجم عن انفكاك التسوية الرئاسية التي عقدت في العام 2016. ويضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية والمالية التي أسقطت ما سمي النموذج الاقتصادي اللبناني الفريد.

وهذا ما تجلى في 17 تشرين الأول 2019 التي أسقطت التسويات، فيما القوى السياسية تعمل على استعادة زمام الأمور من خلال تحريك الشارع.