وليد جنبلاط وحيدًا

16 حزيران 2021 10:58:56 - آخر تحديث: 16 حزيران 2021 11:20:29

تأسّس النظام اللبناني على ما سُمّي الميثاق الوطني عام ثلاثة وأربعين، باتّفاقٍ على المحاصصة بين الموارنة بشخص بشارة الخوري، والسنّة بشخص رياض الصلح. فأخذ الموارنة نصف غلة بيدر النظام من النواب، والوزراء، وموظفي الفئة الأولى والثانية والمراكز الفاعلة في القرار السيادي، وشملت مقاولتهم بقية الطوائف المسيحية التي دارت في فلكهم الرسمي.

وحصد السنّة النصف الآخر مع قبولهم بحق الفيتو الماروني، الذي كان يتأرجح حسب قوة شخص رئيس الوزراء، بين التهديد بالتمرّد حيناً وممارسته استثنائياً، وبين الوقوف عند خط الدفاع الأخير لعدم تحويل رئيس الوزراء إلى باش كاتب.

أمّا بقية الطوائف الإسلامية فكانت برضاها وديعة النظام لدى جناحي الميثاق. ولولا ظهور بعض الشخصيات السياسية الاستثنائية، والتي أعطت الصيغة والميثاق نكهةً وطنية - كالأرثوذكس، والكاثوليك، والدروز- عند تبوؤها لوزارات الخارجية والعدل والداخلية والدفاع، لبقيت  الرئاسة الثانية في غالب الأحيان اسماً على غير مسمى إلّا عند ترتيب المقاعد بروتوكولياً في الاحتفالات الرسمية.

وجاءت حرب السنتين، وما تلاها من حروب، لتنسف التوازن الهش خصوصاً أن وقودها أبرز قوىً غيّرت مسار الانتصارات والهزائم بين الأخوة الأعداء. فخرج الشيعة والدروز من القمقم لوجود أكثرية منهم في صفوف الأحزاب الوطنية اليسارية، واعتلى الموارنة صهوة جواد المسيحيين مع توحيد السياسة والبندقية تحت قيادتهم.

لقد أفرزت حرب لبنان العقيمة حتى عام 2005، واقعاً جديداً جعل كرسي الرئاسة الثانية سداً منيعاً في وجه الرئاستين الأولى والثانية، وجعل حصة الدروز في محاصصة النظام عبئاً على المنتصر في حرب الجبل بالتحالف مع قوى كرسي الرئاسة الثانية، لا بل حوّلها إلى ديّةٍ يدفعها المنتصر ، ولو كان فعله فعل دفاع عن النفس.

أسند النظام إلى جنبلاط مهمة عامود الوسط في هيكل النظام رغماً عنه وعن الدروز وأصبح، شاء أم أبى، درزيّ الزعامة وإن كان وطني القلب والعقل، ومسؤولاً عن حصة الدروز في المحاصصة التي لم يسعَ اليها، بل قاتلها عبر تبنّيه للبرنامج المرحلي للحركة الوطنية ورئاسته لها. ولكنّ الرابح في حرب الجبل خسر، ومن معه من نخبة الوطنيّين، حرب الخروج من صيغةٍ وميثاقٍ أرساه الطائف وجعله دستوراً، إلى النظام العلماني في دولة المواطَنة ، بل وأُلزِم ابن عامود السماء أن يكون عامود النظام الذي يسقط من دونه الهيكل على من فيه، رغم توقه الشديد إلى إسقاطه.

بواقعية، وبراغماتية سياسية يشهد لها العدو والصديق، أدار جنبلاط ما أسنده إليه النظام الجديد الهجين، حتى مع صعود نجم حزب الله، ليوازن على حبل مشدود بين الوطنية والمحاصصة.

هذه المعادلة فرضت عليه ما لا يمكن تلافيه، وهو الحفاظ على نظام لا يشبه تاريخه ولا حلمه بالمستقبل، ولا حنينه إلى تقمّص شخصية أبيه ومعلّمه، فهو، شكلياً، نقطة توازن ولكنّه فعلياً أسير الحبل الذي يسير عليه، وعصا التوازن التي تمنع الوقوع في الهاوية.  نظامٌ ليس جنبلاط صاحب القرار فيه، ولكنه الحامل الأول لمسؤوليته. وتمثيله في مجلسَي النواب والوزراء لا يسمحان له بتغيير المعادلة، وموقعه في التركيبة يجبره على وقف الاهتزاز .

إعادة المهجرين، خصوصاً إلى مناطق الجبل، وهي مطلب جنبلاط أصلاً ، أرادها النظام عقوبة له أكثر منها اعترافاً به.

وتنمية مناطق نفوذه واجبٌ عليه، وإمكانيّته للحصول على موارد التنمية كبئر ماء شحيح في الصحراء. 

وتوظيف أهل عشيرته، وإيجاد موارد عيش لهم، من صلب مهامه. وحصته في موارد الدولة على مقدار أعداد قاطني جبله الصخري.

نعم، لأجل كل ذلك صار وليد جنبلاط عاموداً وسط النظام الهجين، وبالتالي شريكاً في ارتكابات هذا النظام المفروض والمرفوض في آنٍ معاً، مع أنّ حجم مسؤوليته عما ا?ل إليه هذا النظام لا يتعدى نسبة ما يمثّله والمحدّد حصراً عند المحاصصة بسبعة بالمئة، فيما يتضخّم أضعافاً عند المساءلة، سواءً مِن أهل النظام، أو من معارضيه.

تاريخ وليد جنبلاط بعد الطائف هو حجر الرحى في كل موقف وطني، ولكن كتفه ينوء من ثقل هذا الحجر حتى يكاد يسحق عظامه.

العلة، أيّها السادة في النظام، لا في عاموده، وفِي الحبل المشدود، لا في السائر فوقه. وفي عصا التوازن لا في حاملها.

إنّه نظام المحاصصة، أيّها السادة، الذي يفرض على أهله، ووليد جنبلاط، مثالهم الأوضح: الخيار بين أمرين لا ثالث لهما، وأحلاهما أمرّ من الصبر. فإمّا السير في نظام لا يرتضيه، ولكنه مجبرٌ أن يزايد على وجوده في صلبه، لعلّةٍ في كل مكوّن من مكوّناته التي تبطن غير ما تُظهر، وتنادي بإسقاط المحاصصة. فإذا هزّ جنبلاط عامود الوسط لاسقاطها أهدروا دمه، وإمّا الوصول إلى نظام المواطنة والتساوي بين المواطنين حقوقاً وواجبات، ومراكز ومراتب ومناصب، وجنبلاط يتابع سيره فيه ببطء من يحفر جبل التغيير بالإبرة، ربّما للتأسيس لزمنٍ آخر أكثر ملاءمةً للأحلام.

إنّ رقصة التانغو بحاجةٍ إلى شريك، وجنبلاط يرقص وحيداً، ولكنه يُشعرك دائماً أن لديه شريكاً لشدة ما يبهرك إتقانه لدوره، رغم أنّه أحياناً ينزف دماً من الرأس حتى القدمين من كثرة الجهد للإقناع.