عن لبنان الذي يحتضر!

12 حزيران 2021 09:03:18

إنها سموم الطائفيّة تفعل فعلها مجدداً في لبنان. لم يحصل أن غادرت الطائفيّة هذا البلد الصغير، ولم تترك له متنفساً يتمكن أبناؤه من خلاله أن يشعروا بالقليل من المساواة في ما بينهم. دائماً كانت الطائفيّة تطل برأسها: بين صفوف التلاميذ على مقاعد الدراسة، في الزواج والطلاق والإرث، في التعيينات ومراعاة القواعد بدقة وصرامة، وطبعاً في التمثيل السياسي الرئاسي والوزاري والنيابي، وصولاً إلى مأموري الأحراش والحجاب من الفئة الخامسة في ملاك الدولة.

لا يمكن إدارة الظهر إلى هذا التفشي المريض لوباء الطائفيّة في الجسم السياسي والاجتماعي اللبناني. أي نقاش في البلاد يأخذ منحى طائفيّاً دون الكثير من الجهد والعناء من إلغاء الوكالات الحصريّة إلى الحوض الأول في مرفأ بيروت الراحل، إلى التشكيلات القضائيّة (التي أطفأت عامها الأول في أحد أدراج المكتب الرئاسي في القصر الجمهوري)، ومنها إلى التشكيلات الديبلوماسيّة والتعيينات الماليّة والإداريّة وسوى ذلك من الخطوات التي تحصل في الدولة (عندما كان هناك هيكل تنظيمي للدولة بالحد الأدنى وهو قيد التآكل راهناً).

ولكن مع كل ما سبق، لم يحصل في تاريخ البلاد أن قوربت المسألة الطائفيّة بهذا القدر من الصلافة والوقاحة والكيديّة. لم يسبق أن مورست سياسة التعطيل وشل المؤسسات الدستوريّة بهذا المستوى من العناد والنكد السياسي. لم يسبق أن وصل الشعب اللبناني إلى هذا المستوى من الفقر والجوع وثمة من لا يرف لهم جفن.

هل المطلوب فعلاً أن يقتنع اللبنانيون أن النزاع القائم هو نزاع دستوري وقانوني وأن المعركة هي معركة صلاحيّات بين المؤسسات؟ هل من المعقول ألا يكون قد قرأ أي من المسؤولين التقرير الخطير الصادر عن البنك الدولي عن لبنان والذي وصف أزمته العميقة الراهنة بأنها الأخطر منذ ما يزيد عن 150 عاماً؟ هل يجوز أن تنتقل الطوابير من محطات الوقود إلى الصيدليّات إلى الأفران إلى المستشفيات؟

من يجيب المواطن عن هذه الأسئلة؟ ومن يضع حداً لمأساته المتكررة يومياً بحيث تتفاقم الأزمات وتستولد دون طائل؟ ألا يسقط رؤساء ووزراء في الدول التي تحترم نفسها إزاء هذا المستوى من اللامبالاة واللامسؤولية واللاأخلاقيّة؟ لبنان يستحق أفضل من ذلك. فيه من الكفاءات البشريّة والعلميّة والفكريّة ما يمكنه من النهوض والاستمرار والصمود، ولكن ليس بعد إسقاط كل أنظمة الدفاع الاجتماعي كالطبابة والأمن الغذائي وسواها من المقومات الدنيا المطلوبة للعيش الكريم.

لا منافذ مقفلة في السياسة إلى الأبد. دائماً يمكن توفير مخارج سياسيّة لأعمق الأزمات وأعتاها شرط توفر الإرادة السياسيّة. حتى في أحلك سنوات الحرب، وأكثرها ضراوة وقساوة، كان ثمة قنوات خلفيّة بين الجهات المختلفة لمعالجة قضايا معيّنة من هنا وهناك. ماذا يعني ألا يحصل الحوار بين المعنيين؟ كيف تشكل الحكومة؟ كيف تُعالج قضايا المواطنين؟

كان الله في عون اللبنانيين!