الإنتاج كنظرة تقدمية

09 حزيران 2021 12:04:23

تستحوذ نظرية الإنتاج، كسلوكٍ إقتصادي، على اهتمام العديد من الإقتصاديين، حيث تعدّدت مفاهيمها بتنوّع آرائهم ومذاهبهم الإقتصادية. وفي عصر الحداثة Modernization، ومع تطوّر وسائل الإنتاج، فإن نظرية الإنتاج دلّت على ماهية المنفعة التي تولّدها إنتاجية السّلع والخدمات، والتي تعود بالخير والنفع العام على المجتمع الإنساني.

فقد نظر الرأسماليون إلى الإنتاج كوسيلة لإعلاء الربحية وتعظيم الثروة عندما تركّزت وسائله بيدهم كمالكين حصريين له.
فيما نظر الإشتراكيون إلى الإنتاج من خلال ماهية قوى الإنتاج في حياة المجتمع، وعدم حصريتها بيد فئةٍ أو طبقة محدّدة.

ومع زحمة الحديث حول الإقتصاد الإنتاجي وسط التخبّط الإقتصادي الذي أحدثه إقتصاد لبنان الريعي والخدماتي، تشكّل دافعٌ لإلقاء نظرة على بعض المخزون الفكري للحزب التقدّمي الإشتراكي حول نظرته العقيدية للعملية الإنتاجية ووسائلها.

فقد نحت الأدبيات الفكرية للحزب التقدّمي الإشتراكي مناحي عقلنة وتهذيب مفاهيم وأهداف العملية الإنتاجية، والتي تنطلق أساساً من ميثاقه، ومن مفهومه المدرِك لطبيعة الإنتاج وعدالة توزيعه، وبما نصّ عليه: "ومن العدل أيضاً أن يحصل الأفراد، لا بالنسبة لنزعاتهم وحاجاتهم التي لا تحّد ولا تحصى، والتي نوّعتها بشكل هائل الصناعة الحديثة، بل بالنسبة لضرورات حياتهم ومتطلبات تطوّرهم. ومن العدل أن يحصل هؤلاء على الوسائل التي تمكّنهم من تنمية مواهبهم الطبيعية واستخدامها. وهذه الفكرة الأخيرة تشتمل على نظرية للحزب في المدنية التقنية القائمة على فوضى الإنتاج العالقة بها، والناجمة بدورها عن الاعتقاد السائد، والنزعة المتأصلة في الفرد وفي الجماعة، بأن الخير كل الخير في إنتاج جميع ما يتوافق ونزعات الإنسان وحاجاته، وذلك دون التفات إلى أن هذه الحاجات والنزعات لا تعدّ ولا تحصى، وأكثرها حاجات إصطناعية محضة، وكلما أنتجت الآلة ما يكفل بعضها، تتولّد نزعات وحاجات جديدة، كأنما هي الحلقة المفرغة، لا نهاية لها". (الميثاق، ص33)".

وخير الكلام في هذا السياق، ما أورده المفكّر كمال جنبلاط في منتصف الخمسينيات (من القرن الماضي) قوله: "إن أبسط القواعد الإقتصادية السليمة تقضي بأن نشجّع الإنتاج إلى أقصى حدوده. فإذا لم يزد الإنتاج العام تصبح البلاد محكوماً عليها بأن يتأخر مستوى المعيشة فيها...". (جنبلاط، كمال، آراء وكلمات في البرلمان اللبناني المُستدرك، ج3، ص22)، وكذلك ما قاله في مؤتمر بتخنيه للإنتاج الزراعي في منتصف الستينيات من أن: "... الإنتاج هو أساس القوّة الإقتصادية، وهو الركيزة الأولى للعمل والعيش في البلاد ولإزدهار الحضارة." إنما شدّد من زاوية أخرى على أن لا يكون الإنتاج غايةً للجشع، حيث أثار جنبلاط هذه الإشكالية في جلسة مناقشة البيان الوزاري بحكومة الرئيس رياض الصلح عام 1944، بقوله: "إن فكرة الإنتاج للربح فقط يجب أن تزول من عالم يتكاثر فيه البشر وتزداد احتياجاتهم ومطاليبهم"، (م.ن. ص9).

 والواقع أن التطوّر في الإنتاجية وزيادة أحجامها إلى حد ما يفيض عن حاجات المجتمع، حيث عبّرت عنه أدبيات الحزب الفكرية من أنه الأسلوب النهِم الذي تتّبعه الرأسمالية الجشِعة في سعيها المفرط وراء الربحية، وإلى جني المكاسب لتعظيم ثرواتها، وليس رغبةً منها في انسياب الحاجات الإنسانية بطريقة عقلانية ترشيدية، وتحقيقها وتلبيتها لحاجات الإنسان، وما تعود لصالح المجتمع البشري.

فقد ذهب الفكر الإقتصادي للحزب التقدّمي الإشتراكي في نظرته إلى عملية الإنتاج نظرةً عملية تبتعد فيها عن رومانسية المتطلبات العديدة والحاجات المتعدّدة للفرد الإنساني. فهذه النظرة ترى أن عملية الإنتاج يجب أن تقتصر على الحاجات التي تصب في غايتها، وهي توفير المستلزمات الضرورية للفرد، لا أن تكون على أساس تنمية السلوك الإستهلاكي لديه ولأجل الإستهلاك فقط، وبما يوحي بأنها تحقّق غاية الإشباع لدى الفرد والتي بدورها قد ترهق المجتمع وتجعله مجتمعاً إستهلاكياً، وبالتالي تفقد عملية الإنتاج روحيتها، ومسلكها الوظيفي الإجتماعي. وذلك انطلاقاً من أن رغبات الفرد ليست لها حدود، وبالتالي فإن النفس البشرية توّاقة إلى المزيد والمزيد، بحيث لا تتوقّف عند تحقيق الضروري فيما لو أُُطلق العنان لعملية الإنتاج على أساس الإستهلاك اللّا- محدود.

ومن مندوحة القول أن الأدبيات الفكرية الإقتصادية لدى الحزب التقدّمي، وفي مسألة الإنتاج تحديداً قد تجلّت بوضوح تام في ميثاقه، والتي تقوم على مبدأ أن الإنتاج يُطبّق لأجل الحاجات الطبيعية لمعيشة الإنسان، ولا يُطبّق لأجل الربح بلا قيود. ففي توفير وتأمين تلك الحاجات ما قد تحرّر الإنسان من مركّب الخوف والقلق على معيشة أسرته. وبالتالي فإن توزيع الإنتاج إنما يتحقّق وفاقاً للحاجة وللإستحقاق في آنٍ واحد. فالحزب التقدّمي حينما ينادي بهذا المبدأ الإقتصادي المحقّ في واقعيّته ومنطقه، إنما يدلّل في ذلك على مبدأ الكفاية والعدل في معرض استجابة الإنسان للحاجات وفاقاً لضروراتها، كما ووفاقاً لتوزيعها بحسب إستحقاقها، وأن لا يكون إستهلاكها لمجرّد الإستهلاك في معرض تلبية رغباته وشهواته.

لقد أثرى فكر كمال جنبلاط طابعاً إنسانياً على مفاهيم الحزب التقدّمي الإشتراكي وسلوكياته حين وضعهِ
منطلقاً جوهرياً حيال حضارة الغرب، ومآخذه المنطقية على الإنتاج ومسلكية إستهلاكه، فوصفها بأنها: "حضارة الإستهلاك والإسراف... حضارة الشيطان". (الأنباء، العدد 1118، تاريخ 1/ 12/ 1973) كما وصفها بأنها فاسدة، ولا إنسانية كونها: "مبنية على الآلة وروح السيطرة والإستثمار والتكالب على الربح"، وبالتالي: "ابتعدت عن جوهر الإنسان وراحت تفتش عن السعادة في الإستئثار والملكية والأنانية والرفاهية المادّية، بدلاً من أن تفتش عنها في القوى النفسية الخيّرة التي تشكّل جوهر الإنسان وحقيقته". (الأنباء العدد 133، تاريخ 13/ 2/ 1954) وعليه فإن، "مفهومها أصبح مقتصراً على الإثراء والتنعّم المادّي". (الأنباء العدد 144، تاريخ 1/ 5/ 1954)، وقد "حوّلت الإنسان لآلة، وزادت نسبة الجياع في العالم بسبب سياسة الإنتاج من أجل الربح".  (الأنباء العدد 647، تاريخ 24/ 10/ 1964)

فخطر المدنية الغربية إنما يكمن عند جنبلاط، من أن: "... الرأسمال الإستثماري التجاري هو الذي يستغّل
هذه المدنية وآلاتها وإنتاجها وإستهلاكها ويوجّهها للربح، وللربح التجاري الأوفر، ولا ينظر إلى موافقتها أو عدم موافقتها لطبيعة الإنسان وظروف عيشه الطبيعية. فنحن، من هذه المواجهة، أرقّاء التجارة، أسرى الرأسمال وعبيد إستثماره ودعايته". (ثورة في عالم الإنسان، ص29) فالمدنية الغربية والتي هي الأرض الخصبة للرأسمالية المتفرّدة، لم تعرف معاني الإنسانية والعدالة الإقتصادية والإجتماعية في رأي جنبلاط، كما لم تسمُ إلى مرامي التوزيع العادل للإنتاج. والسبب في ذلك بسيط: "هو أنه لا يوجد تصميم وتخطيط في الإقتصاد ولا أهداف إجتماعية عامة شاملة للإنتاج ولتوزيع الإستهلاك، إنما الإنتاج هو للربح، والربح لا يتوزّع آلياً على الجميع". (ثورة في عالم الإنسان، ص53)

من هنا، كان الإنتاج وفي مفهوم الحضارة الغربية المصطبغة بمادّيتها الرأسمالية المصطنَعة، وفي بُعدها عن الأثر المعنوي للحضارة الحقيقية، أن جعلت من ممارستها للإنتاج غاية، ومن الإنسان وسيلة، بحيث لم يعد الإنتاج خاضعاً لموجبات إنتاج الحاجات الحقيقية للإنسان، بل رهنته إلى إرادتها وإلى موجب الربحية، فيما أضحى الإنسان فاقداً لوعيه في تحديد غايته وصلاحه من الحاجات وتمييزه لما يرضيه منها. وهذا ما يوصل بالإقتصاد لأن يضحي رهينة غائية الرأسمالية الغربية وأهدافها المشروطة، وليس أن يكون مطلباً لسلوكيات الحياة والعيش الكريم. وهذا ما حدا بالمفكّر كمال جنبلاط (لإطلاق) دعوته لإشاحة الوجه عن الحضارة الغربية والتحوّل ناحية الحضارة الحقيقية، والتي وحدها تسهم في العمل على أن يصبح الإنسان حراً أكثر، وأن لا يكون عبداً للأشياء المصطنعة التي يخلقها هو. (فرّاج، عفيف، كمال جنبلاط المثالي الواقعي، ص141و142)

وعليه، وفي أدبيات الحزب التقدّمي الإشتراكي فإن الإنتاج الذي يتّجه نحو الربحية وزيادتها فقط، ولا يتّجه لسدّ حاجات المجتمع، يجب أن يزول، منطلقاً من أن الإشتراكية تسهم في تنظيم الإنتاج لتتخطى الإعتبارات الطبقية الضيقة، وبالتالي تسهم في الحدّ حتى حدود منع الإضطهاد الطبقي وإلى إحلال مبدأ ديمقراطية الإنتاج في الإقتصاد.

ونبقى في الإطار عينه، لنتطرّق إلى ما قدّمه المفكّر كمال جنبلاط من تفسيرات حول حتمية إرساء مجتمع الكفاية والعدل، فأوضح أنّ الكفاية تعني الردّ الشامل على حاجات جميع المواطنين، أي أن لا يبقى واحدٌ منهم دون أن يتوصّل إلى مستوى من المعيشة المادّية والمعنوية يؤمّن له إرواء حاجات عيشه الأساسية... في حين أن العدل ينبغي أن يتحقّق في الإنتاج، وفي توزيع الإستهلاك، وفي الخدمات الإجتماعية على السواء. (ثورة في عالم الإنسان، ص57)

فقد جانَبَ المفكّر جنبلاط فكرة تطوّر ونمو أعداد السكان في المجتمعات والتزايد المتلاحق، مع مسألة الإنتاج للحاجات الضرورية بالقدرة على استيعاب هذا النمو السكاني المتزايد. كما راعى مسألة إشباع رغبات الإنسان اللّا- محدودة في حصوله على المواد الأساسية والضرورية والتي تقف رغباته عند حدٍ معيّن، في حين أشار إلى أن الإنتاج يجب أن لا يتوقف، وأن يبقى في خطوط مستمرة، وهي بالتالي إحدى وظائف الإنتاج. في حين ربط هذا التطوّر للقرار الإنتاجي وتزايده مع مسألة العدل في إستهلاكه وتوزيعه، وذلك على قاعدة الضرورات والتي تحكم حاجة الإنسان منها وعدم الإسراف في التوزيع والتي قد توصل إلى إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وفي هذا تحقيق التوازن المنطقي ما بين الإنتاج والتوزيع.

وفي سياقٍ متّصل، فإن إشتراكية الحزب التقّدمي إنما تهدف أيضاً إلى تحرير إحتكارية وسائل الإنتاج من يد طبقة معيّنة تتحكّم بالإنتاجية بحسب أهوائها ومصالحها. ذلك أنه وفي أدبيات فكر الحزب أن تملّك وسائل الإنتاج على نطاق يفوق المحدود، (من شأنه) أن يؤدّي إلى تحكّم فئة في فئة أخرى بحيث يفرض من تملّك هذه الوسائل سيطرته على الآخرين. من هنا، تركّز مندرجات الفكر الإقتصادي للحزب التقدّمي الإشتراكي على مسألة التخطيط العلمي المدروس لعمليات الإنتاج الإقتصادي والتي تتوافق وتتكامل مع النفع العام والخير المجتمعي.

وما تقدّم يقودنا إلى بحث مسألة إستبعاد ما تتّجه إليه الرأسمالية في مفهومها للإنتاج وممارساتها التطبيقية حيال العمليات الإنتاجية، حينما يشرع الإقتصاد الرأسمالي في بسط مفاهيم الإنتاج لأجل الإنتاج ولأجل الربح. وهنا، لا يخفى على أحد من أن الإنتاج في مفهوم الإقتصاد الإشتراكي لا يستبعد الربح، لكنه بالمقابل لا يسعى إليه كما في الرأسمالية. وذلك إنطلاقاً من الحقيقة التي تُظهر من أنه لا بدّ وأن يقابل الإنتاج شيء من الربحية يشكّل فارقاً إيجابياً في تغليب واردات المشروعات الإنتاجية على نفقاتها، بحيث على الأقل، وبالحدود الدنيا، أن تتوازى دفّتي ميزان المداخيل مع النفقات.

وهنا تبدو عقلنة الربح في الفكر الإقتصادي الإشتراكي، والذي لا يعتبر أن مبدأ الربح هو مبدأ رأسمالي محض، بل هو مبدأ طبيعي في حياة المشروعات الإقتصادية يفرضه عقل الإنسان ويحسن تدبيره. فهو مبدأ كل إقتصاد وكل عمل بشري سواء كان النظام إشتراكياً أم رأسمالياً، موجّهاً أم حرّاً. فواجب إتقاء الخسارة هو أمر يعمل عليه الإنسان كما تعمل عليه الأنظمة الإقتصادية في كافة الدول وسائر المجتمعات عموماً، إنما يختلف في ذلك حسن أسلوب تدبير الحاصل الربحي.

ففي الفكر الإشتراكي فإن الربحية هي عامل تقوية ورسملة لعملياتٍ إنتاجية جديدة ومتتابعة ترفع معها عامل التوظيفات لليد العاملة، كما وعامل إستثمار الرساميل والفوائض المالية الناتجة، وبالتالي فهي تسهم في إبعاد عنصر البطالة عن محيطها المجتمعي، كما ترفع معها منسوب الخدمات الإجتماعية لأفراد المجتمع. فيما الحواصل الربحية في الفكر الرأسمالي أنها عامل جشعٍ طامع لتعظيم الثروة الشخصانية، والمكاسب المادّية الفردية. (جنبلاط، كمال، تجاذبات السياسة الدولية،
ص141)

الآلة والإنتاج!

من المسلم به أن تقدّمية الحزب الإشتراكي تنزع إلى تبنّي نتاج العِلم ومستتبعاته العملية في كافة الحقول وعلى مختلف ميادين الحياة ومنها الميدان الإقتصادي. وما الآلة إلاّ أحد نتاجات العلوم والمساهِمة في تطوير العمليات الإنتاجية والتي تندرج في مندرجات العقل الإقتصادي التطويري التقدّمي للحزب في تحسين واقع الإنتاج، إن من حيث نوعيته أو من حيث إقتصادات الوقت، كما وفي مدى تأثيراتها الإيجابية على الإنسان في راحته الجسدية والنفسية.

وعلى الرغم من تحبيذ المعلِّم كمال جنبلاط لمسألة التقدّم التقني وتطوّر الآلة وتأييده لها ، إلاّ أنه يشجب دور الآلة كما يفهمها أصحاب الفكر الرأسمالي وتمجيدهم لها، والتي برأي جنبلاط أنها ترسي قواعد الإقتصاد الإستهلاكي، مؤيّداً بذلك ما دللّ عليه عالِم الأحياء والإجتماع ألكسيس كاريل Alexis Carrel (1873-1944) من أن يضحي هدف الإنتاج لأجل الإنتاج فقط، وفي سبيل إعلاء مستوى الحياة المعيشية إلى حدود لا نهاية لها، وبالتالي لا حدّ يحدّها لرغبات واشتهاءات الإنسان، ليخرج مفهوم الإنتاج عن مقاصده الطبيعية وعن قاعدته الصحيحة في توفير حاجات الإنسان ومكنات عيشه الطبيعية، فتخرج بالتالي قواعد الإقتصاد عن نطاقها الطبيعي. (جنبلاط، كمال، نافذة على العالم، ص154و155). 

كذلك وعلى الرغم من اعتقاد الإقتصاديين الكلاسيكيين، وخصوصاً هؤلاء المؤيدين لمبادىء الرأسمالية، من أن الآلة تدفع إلى زيادة عامل الإنتاج، وبالتالي عامل الإستثمار لما لها من تأثيرات إيجابية في خفض تكلفة الإنتاج، إلّا أنها تزيد بالمقابل من عامل الإستهلاك بعد زيادة المعروض من السّلع والخدمات الجديدة المتاحة أمام المستهلكين، وعلى حساب التغاضي عن قدرتهم على إقتنائها. هذا إلى جانب أثرها السلبي على عنصر العمل بحيث تسهم في خروج العديد من اليد العاملة من سوق العمل، وأن يصبحوا عرضة لعامل البطالة، وهذا ما استهجنه المؤرّخ الإقتصادي سيسموندي Sismondi، وكمناهض لمبادىء الرأسمالية، من أنه لا يكفي أن أسهمت الآلة في إخراج العمال، بل أنها جعلت الباقين منهم لا ينعمون بميزات الراحة التي وجب أن توفرها لهم، فجعلتهم، ونتيجة التزاحم حول العمل، ضحية بعضهم البعض لتخفّ بذلك أجورهم ويطول نهار عملهم. (جنبلاط، كمال، تاريخ الإقتصاد في بعده الإنساني، ص331و332).

في مقابل ذلك، فإن حقيقة الأمر أن أسهمت التقنيات الحديثة والتي أوجدت الآلة، فكان لإستخدامها الأثر الكبير في تطوير العملية الإنتاجية، فإن هذه التقنيات أن عملت أيضاّ على تنمية حركة الإنتاج من خلال مساهمتها في إيجاد وسائل المواصلات، سواء البرّية والبحرية والجوّية، والتي أسهمت في تنشيط حركة تصريف الإنتاجية. فبين حركية تطوير النمو الإنتاجي وبين حركية تصريفه إلى منافذ إستهلاكية متعدّدة علاقة متّصلة. وبالتالي فعلى قدر نمو وسائل التصريف، ينمو الإنتاج. (جنبلاط، كمال، في الفكر الإقتصادي المعاصر، ص159و160)

وفيما خصّ الواقع اللبناني، وعلى الرغم من إلتماس التأييد لتطوّر العلوم والمعارف في الفلسفة الجنبلاطية، وإقرارها بما أنتجته من ثورة علمية حقيقية في حقول التقنيات والآلة، وما رافق ذلك من تطوّر صناعي في لبنان مع بداية أربعينيات القرن المنصرم، والتي تُنسب خطأً إلى تطوّر ونمو الرأسمالية الحديثة لها بحسب كمال جنبلاط، إنما آلت وبزعمه
إلى تحكّم هذه البورجوازية الرأسمالية المالية، تُعاونها أدواتها العولمية من شركاتٍ عابرة للقوميات وإستثمارها لموارد البلاد، حيث تزعّمتها اليد البورجوازية الرأسمالية اللبنانية إنفاذاً لمصالحها وسعياً وراء أهدافها الإستعمارية الإقتصادية، والتي وصفها جنبلاط، "بالخدعة الرأسمالية البورجوازية" حيث فشلت في تحقيق العدالة والمساواة، كما ومستغلة للحسّ الوطني وشعور الجمهور اللبناني بتصنّعها المَدارك والمشاعر الوطنية وإخلاصها لها في سبيل تمرير مصالحها الإقتصادية. (جنبلاط، كمال، أحاديث في الحرّية، ص50) بل فاقمت تلك التقنيات والآلة أكثر من ذي قبل من إعلاء منسوب الإنتاجية والتي ترافقت مع إشعال روحية الربح والإستهلاك في المجتمع، والتي بطبيعة الحال تتلاقى ومعايير الرأسمالية الحديثة.

نهوة القول، فإن الآلة، والتي هي نتاج التقدّم العلمي المادّي، هي وبالفلسفة الجنبلاطية، وسيلة حيث أن الغاية والهدف هو الإنسان، فقد استبعدت من إعتباراتها أن الآلة هي تلك الوسيلة التي تقوم على فكرة تعظيم الإستهلاك لأجل الإستهلاك والربحية، إنما هي وسيلة وعامل إستقرار لحياة الإنسان في دنياه، لا أن تضحي عامل إرتهان وخطر عليه، تُبتدع من خلالها المنتجات التي تشكّل مصدر إغراءٍ للإنسان لتحوله إلى إنسان مستهلك، وبالتالي يصبح عبداً وأسيراً لإبداعات الآلة لما لها من مكنة رحِبة على الإنتاج المتنوّع والسريع.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".