الشرق الأوسط تحت صفيح ساخن منذ العام 1832

07 حزيران 2021 19:29:21

إن أول ما يتبادر إلى ذهن أي إنسان، عند سماعه تعبير الشرق الأوسط، هو الحروب والنزاعات التي دارت وتدور رحاها في بلدان ومدن هذه البقعة الجغرافية الملتهبة، والتي طبعت هذه المنطقة بطابعٍ خاص ومتميّز – سلبياً في الغالب – وتركت آثارها السلبية على مختلف نواحي الحياة فيها.

قد تكون منطقة الشرق الأوسط هي الوحيدة بين جميع أنحاء المعمورة التي تقبع تحت صفيح ساخن منذ أكثر من قرن من الزمن. ففي العام 1832، وقعت حرب كبرى بين والي مصر محمد علي باشا والدولة العثمانية، في نزاعٍ عسكري كان يبدو في الظاهر بمثابة تمرّد والي مصر على السلطان العثماني، لكنه في الحقيقة كان فاتحةً لتغيّرات وتطورات وتحوّلات كبرى ستترك أثراً كبيراً على مستقبل هذه المنطقة وشعوبها.

دام الحكم المصري لبلاد الشام قرابة الثماني سنوات بموجب اتفاقية كوتاهية، وانتهى في العام 1840، إثر تحالف عثماني – أوروبي أطاح بالحكم المصري، وأعاد المنطقة إلى الحكم العثماني المباشر مع تدخل أوروبي واضح في الشؤون الداخلية العثمانية، ودور أكبر لقناصل تلك الدول.

وبمناسبة الاتفاق الأوروبي - العثماني، دام الهدوء ما يقارب العشرين عاماً لتشهد المنطقة أحداثاً دراماتيكية خطرة، تمثلت بأول حرب أهلية تدور رحاها في جبل لبنان ودمشق في العام 1860، لتنتهي تلك الأحداث عبر تدخل أوروبي أكثر وضوحاً معطوفاً على ترهلٍ أصاب الدولة العثمانية.

ومع بداية القرن العشرين، بدأت تتظهر أكثر فأكثر المشاريع الاستعمارية للدول الكبرى. فبعد سقوط المغرب العربي تحت الحكم الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، بدأت تظهر في الأفق حملات الاستيطان اليهودي في فلسطين، وهو بدأ ينشط عقب نهاية الحرب المصرية – العثمانية الثانية في العام 1840، كما وقعت ليبيا تحت الوصاية الإيطالية.

بداية القرن العشرين كانت ملتهبة أكثر من نهاية القرن الذي سبقه، فشهد العالم اندلاع الحرب العالمية الأولى في تموز عام 1914، في ترجمة للصراع الاستعماري بين الدول الأوروبية الكبرى. وتخلّل تلك الحرب حدثان سياسيّان غاية في الخطورة هما: اتفاقية سايكس – بيكو في العام 1916، ووعد بلفور في تشرين الثاني عام 1917. وترك هذان الحدثان أثراً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً حتى يومنا هذا.

وبين الحربين العالميتين لم تنعم المنطقة بالهدوء، فثورات شعوبها ضد الاستعمار استمرت، كما اندلعت الثورة العربية ضد التواجد الاستيطاني اليهودي في فلسطين عام 1936. وخلال الحرب العالمية الثانية كانت منطقة الشرق الأوسط ضمن مناطق الصراع الكبير بين دول المحور والحلفاء، وعقب انتهاء تلك الحرب الكبرى، شهدت المنطقة أكبر أزمة في تاريخها وتمثلت في نكبة العام 1948، والاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين، مما جعل المنطقة في فوهة بركان مستمر، كما أن النزاعات داخل الدول نفسها استمرت متصاعدة. فشهد لبنان عدم استقرار وحروباً داخلية، كما شهدت سوريا سلسلة من الانقلابات العسكرية آخرها في ستينيات القرن الماضي. ومثلها شهد العراق انقلابات وحروباً، هذا فضلاً عن أوضاع اليمن المقسّم بين شماله وجنوبه.

إن الحروب عصفت بكافة أصقاع الأرض، لكن تلك الحروب استوطنت منطقة الشرق الأوسط ووجدت ملاذاً آمناً لها، فجعلت تلك البقعة الجغرافية تحت صفيح ساخن مستمر منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر. فهل قدر الشرق الأوسط أنه موطن الصراعات والحروب، أو أنّه محط أطماع الدول الكبرى في خيراته، أم أنّه محور الصراعات الدينية في مهد الديانات السماوية.

*كاتب – باحث سياسي

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".