حـــالات

02 حزيران 2021 15:44:16

من موجبات وضرورات العمل السياسي أن تكون لديك رؤية واضحة وخطة لتنفيذها، تقوم على العمل المباشر، والحوار الدائم المفتوح، والمواكبة الحثيثة لكل التطورات المحلية والإقليمية والدولية التي يمكن أن تؤثر على الساحة التي تتواجد عليها. وهذا بحد ذاته يتطلب حضوراً وإقامة علاقات مفتوحة مع السفراء وممثلي الدول والصحفيين والإعلاميين والباحثين والكتاب والمعلقين والمتابعين للاستفادة من معلوماتهم وقراءاتهم ولإطلاعهم على مواقفك وآرائك دفاعاً عن قضيتك ورؤيتك. والعقل يقول بضرورة المراجعة النقدية الدائمة والاستفادة من كل التجارب لاستخلاص الدروس والعبر منها، والتحصّن بخبرة قوية مستندة الى الجدية في المتابعة والقدرة على التحليل وربط الأمور والأحداث بطريقة علمية منهجية تؤدي الى خلاصات واقعية واضحة. في المواقف لا عواطف. وأخطر أنواع التحليلات، تحليلات التمنيات. إنها مخيّبة. مدمّرة. 

قيل عن لبنان بلد القناصل، نظراً لحجم وتنوّع التدخلات الأجنبية فيه والصراع عليه، وكثرة "زواره" وامتدادات إقاماتهم بانتدابات ووصايات واحتلالات "وجلاءات" ولوحات وساحات تتحدث عن الاستقلالات المختلفة والمختلف عليها، واللبنانيون فخورون بذلك!!  من هنا تنبع إشكالية العلاقة مع الخارج بالنسبة الى كثيرين من "صنّاع " القرار الداخلي أو لنقل من "مخرجي" القرار بتكليف من منتجي الأفكار في الخارج!! أن تكون لك علاقة بهذا المعنى مع الخارج، أمر طبيعي. لكن أن تستقيل من التفكير والنقاش وتقع تحت سحر هذا أو ذاك من المنتدبين والأوصياء والأقوياء وتنكفئ عن تحمّل المسؤولية وتنتظر الإشارات من قبل هؤلاء، فأنت تتخلى عن أمانة تمثيل الناس والحسّ الوطني، وتسيئ الى العقل ومهنة وحرفة السياسة لأنك هنا تتخلى عن قرارك ورأيك. هذا ما نعيشه مع كل أزمة نواجهها. موفدون. زوار. ناقلو رسائل. مخبرون. وسطاء. مستطلعون. راصدون. باحثون. جامعو معلومات عن الشخصيات والذين يمكن أن يتحملوا المسؤوليات، وحركة لا تهدأ من قبل الطامحين بتقديم المعلومات والالتزامات وطلب "الرضا" ليقع الخيار عليهم وهنا السباق على من سيقع الخيار؟؟ أي جهاز مخابرات هو الأقوى؟؟ وفي هذا الجهاز أي شخص هو الأقوى؟؟ وفي خلايا الأزمة من هو أو من هم الأقدر والأكفأ وأصحاب الرأي الحاسم؟؟ تدور الدوائر وتتفاقم الأزمات واللعبة هي هي والأشخاص عموماً هم هم، لبنان اليوم بلد يغرق. ينهار بـ "الستة آلاف سنة" حضارة، "وسويسرا الشرق" لا مثيل لها بفقرها وتعاستها وبيئتها الملوثة وظلامها وفوضى قضائها وديونها وفسادها وسقوطها وسمعتها العاطلة!! درّة الشرق في غير موقعها ودورها، والمسؤولون المعنيون يتباهون بإنجازاتهم خلال وقت قياسي. وهم عاجزون عن تشكيل حكومة خلال وقت طويل وقد سجلوا رقماً قياسياً في مستوى الإهمال والحقد والخفة والكيدية والأنانية. شخصيات مركّبة تركيباً لا مثيل له، لم نر مثلها من قبل. حالات فريدة على سبيل المثال لا الحصر: 

بين الأذكياء من هو على نفور مع ذكائه لا يصغي الى نصائحه، وعلى سرور بسوء أدائه وتوسيع دوائر أعدائه. وبين الأغبياء من هو على تفاهم وتناغم مع غبائه ليس بحاجة الى نصح وسماع رأي ولفت نظر وكلام، هو النضج، عالم علاّمة، مغرور بعمله، مغمور بفشله. وبين الـ "بين بين" من هو على اعتزاز بعدم صدقه "خدمة لمصلحة بلده"، وعلى ابتزاز في مساره وبازاره. تذاك واستغباء هنا، وتباك وانحناء هناك عند ولي الأمر وحامي مصالح العمر!! لا عزّة نفس. ولا احترام. ولا أولوية لمسؤوليات وأمانات ومقامات كرامات وأخلاقيات في العلاقات. هذا بعض ما تختزنه تلك الحالات و"نيال اللي ما بيعرف". 

هذه أمامنا نتائج العاهات والأمراض والاورام الموجودة وحسابات تملق الموقف لتسلّق الموقع. البلد يخرب ولا يؤلفون حكومة، والبنك الدولي يعلن: "الازمة الاقتصادية المالية في لبنان ضمن أشد عشر أزمات وربما إحدى أشد ثلاث أزمات على مستوى العالم منذ القرن التاسع عشر". 

المعنيون بتشكيل الحكومة يعيدوننا الى القرون الوسطى وليس الى القرن التاسع عشر فقط، وهم يحتفلون بمئوية لبنان الكبير في القرن الواحد والعشرين.