ازدواجية السلطة والفوضى

01 حزيران 2021 10:30:56 - آخر تحديث: 02 حزيران 2021 08:42:00

تنتشر ظاهرة ازدواجية السلطة في دول شرق أوسطية؛ كأنما في الأمر خطة مدبرة لإحلال هذه المقاربة مكان وحدة السلطة التي تعتمدها الدول الحديثة، وهذه الوحدة شرط من شروط الاعتراف بسيادة الدولة واستقلالها، وفقاً لتوصيف القانون الدولي العام. أما فصل السلطات داخل الدولة الواحدة وتعاونها، فهو ضروري لتجنُب الديكتاتورية، أو الأوتوقراطية، أو الاستبداد، ولحماية الانتظام، بحيث هناك سلطة تهتم بالتشريع وسلطة إجرائية للتنفيذ، وسلطة قضائية مهمتها مراقبة صحة تنفيذ القوانين، والحفاظ على الحق العام، وعلى حقوق الأفراد الشخصية، من دون أن تتأثر بالضغوط أو بالمحاباة.

 عرفت بعض الأنظمة الشيوعية السابقة نمطية ازدواجية السلطة، بحيث كان الحزب هو الذي يمثل القوة التقريرية، ويقود المجتمع كما كان في الاتحاد السوفييتي السابق على سبيل المثال، بينما مؤسسات الدولة من برلمان (أو مجلس الدوما)، وحكومة تُظهر إلى العلن رغبات الحزب وقراراته، وفقاً لآلية متفق عليها، وكان الأمين العام للحزب أقوى من رئيس الدولة، أو أنه هو ذاته مَن يقوم بمقام الرئيس، ويعطي توجيهاته للوزراء وللقوات المسلحة. وقد فشلت هذه النمطية فشلاً ذريعاً؛ لأنها كانت تفتقد إلى الشفافية، وأدت في بعض الدول إلى الفوضى وإلى نشوء صراعات خفية بين أجنحة الحزب، غالباً ما كانت تصل إلى حد تصفية الحسابات بالقوة وبإراقة الدماء.
 يبدو أن هذه المقاربة التي تعتمد ازدواجية في الحكم تحاول أن تتمدَّد في بعض دول المنطقة، وهي تحمل وجهين مختلفين: واحد مخفي وواحد مُعلن، والوجه المخفي أو الذي لا يظهر إلى العلن لا يتوقف عند فصل السلطات، وهو الذي يمسك بالقرار الاستراتيجي من دون الإعلان عن ذلك، أما الوجه المُعلن – أي مؤسسات الدولة الشرعية – فهو الذي يظهر إلى العلن، ويتعاطى في تنظيم العلاقات مع الخارج، ويرعى المؤسسات الخدماتية والأمنية والقضائية، من دون أن يمتلك القرار الفعلي في الدولة.
 وهدف تطبيق هذا النوع من الأنظمة، هو إبراز سلطة تعمل وفق الأصول المعترف بها في الأوساط الدولية من جهة، والإبقاء على سلطة خفية تملك الرؤية البعيدة المدى، ولديها القدرة على قلب الطاولة على اللاعبين المحليين إذا ما تجاوزوا أدوارهم المرسومة من جهة ثانية. وقد أشارت الرسالة التي وجهها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى المرشد الأعلى بمناسبة الاعتراض على اختيار المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية إلى هذه الازدواجية.
 ويبدو أن العراق يعيش حتى الآن في مثل هذه النمطية بصورة مختلفة، على ما ظهر في البيان الذي صدر عن اجتماع الرؤساء الثلاثة ورئيس السلطة القضائية، في أعقاب التوتر الذي حصل بين قوى الأمن الحكومية، وقوى من الحشد الشعبي، على أثر توقيف القوات الحكومية لمسؤول الحشد الشعبي في منطقة الأنبار قاسم صالح، وبأمر قضائي، على خلفية اتهامه بقتل نشطاء معارضين للتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للعراق. وقوات الحشد الشعبي التي أُنشئت لحماية البلاد من خطر «داعش» تمتلك سلطة أمر واقع فعلية موازية لسلطة الحكومة، رغم أنها وفق القانون تخضع لوصاية رئيس الوزراء، ولكن غالباً تتجاوز تعليماته، ولديها حساباتها الخاصة، وقد برزت هذه الازدواجية بوضوح بمناسبات عديدة، وآخرها انتشار قوات الحشد الاعتراضي في شوارع بغداد على أثر توقيف صالح في 26 مايو/ أيار في تحدٍّ واضح للحكومة.
 ولا يخفى على أحد أن هذه المقاربة تسلَّلت إلى لبنان، ويحاول الخروج من هذه الدوامة التي أنتجت فوضى سياسية وأمنية، وأدت إلى إفلاس الدولة، والبلاد تكاد تنهار بسبب هذه الازدواجية التي أحدثت فوضى، وسببت انحرافات مُتعددة.
 وإذا كان الشعب مصدر السلطة حسب الأعراف الدولية المتراكمة، وهو يمارسها عبر أشخاص يوليهم الثقة للنيابة عنه في إدارة الدولة؛ فإن ازدواجية السلطة تشوِّه هذه الثابتة، وهناك مَن حوَّل الشعب إلى أداة، أو وسيلة لتشريع طموحات شخصية أو طائفية ومذهبية، كما هو الحال في لبنان مع وجود قوى سياسية وطائفية تقبض على رقاب الشعب، وتحول دون تحقيق إصلاحات حقيقية، وتعرقل التحقيقات في الفساد الذي تشارك فيه القوى السياسية والطائفية المتحكمة بقرار السلطة .