ترشيد الأداء السياسي

31 أيار 2021 09:00:00

عرّت الأزمة السياسية اللبنانية الحالية ومفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية مكامن الخلل في بنية النظام السياسي اللبناني، وفي السياسات العامة التي اعتُمدت على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. 

وإذا كان هناك نظرياً إجماع على ضرورة الإصلاح، إمّا بفعل الضغط الخارجي، أو بنتيجة الانهيار الحاصل وثقله على الشعب اللبناني وعلى القوى السياسية على حدٍ سواء، فإنه من الواضح أن الظاهرة الأبرز للأزمة هي الثقة المفقودة بين الشعب والقوى السياسية، وهو ما يتجلى ذلك في مجالات متعددة وبأشكال مختلفة، وأخطر أوجُه انعدام الثقة هذه هو في ما تتحسسه القوى السياسية وتتوجس منه، ويتمثل بالصمت لدى فئة ليست بسيطة من شرائح المجتمع اللبناني، الأمر الذي يجعل التحدي مضاعفاً في مقاربة هذا الواقع مستقبلاً، لمحاكاة المتطلبات الحقيقية للناس، ما يعني وضع رؤية مرحلية واقعية قابلة للتطبيق، ويمكن لهذه الشرائح تلمّس نتائجها لبدء مسار استعادة الثقة، خصوصاً وأن الثابت الوحيد حتى الآن في كل المعادلة، هو وللأسف تجذر النظام الطائفي في لبنان.

وإزاء هذا التجذر الطائفي، عن أي إصلاح نتحدث إذا؟ هل ممكن تحقيق إصلاح جذري في ظل النظام الطائفي؟ وهل أن إصلاح النظام برمّته شرط ليصلح ما دونه؟ أم أن ترشيد الأداء السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي هو المعبر المرحلي لضخ جرعة إنعاش بمظلة إقليمية دولية مشروطة تتيح لاحقا التفكير بمستوى أعلى من الإصلاح؟!

المشهد اليومي على المسرح السياسي يؤكد ثابتتين أساسيتين:

أولاً: إستحالة الإصلاح الجذري راهناً لإستحالة المساس بالنظام لأن ذلك سيفتح في ظل الواقع القائم صندوق مفاجآت أولها اشتباك داخلي كبير.

ثانياً: شعار الإصلاح المطروح من قبل البعض لا يعدو كونه عملية تضليل لتقاسم السلطة كهدف وحيد.

وفي وجه هاتين الحقيقتين المؤسفتين، وانطلاقاً من قناعة واقعية تميز بها الحزب التقدمي الإشتراكي، جاءت اقتراحاته الاصلاحية المرحلية التي أعلنها رئيسه وليد جنبلاط مراراً كما عبرت عنها أيضاً العديد من الأوراق المقدمة من قبله بوضوح. هذه المقاربة أهم ما يميّزها الشفافية والواقعية، الشفافية في طرح الحلول الممكنة، والواقعية بأن هذا ما يمكن إصلاحه في الوقت الراهن لإنعدام الأفق أمام تحقيق الإصلاح الجذري في بنية النظام السياسي الطائفي. 

وقد لخّص جنبلاط هذه المقاربة الشفافة والواقعية بالتالي:

1.    النظام السياسي الطائفي في لبنان من أقوى أنظمة المنطقة، لذا فإن المواجهة بالإصلاح التدريجي.

2.    هذا الإصلاح التدريجي ممكن من خلال: 
أ-  إصلاح قطاع الكهرباء
ب- إصلاح النظام الضريبي عبر إقرار الضريبة التصاعدية والضريبة على الثروة وضريبة على الأملاك غير المستثمرة وعلى الأوقاف.
ج- إقرار قانون المنافسة وإلغاء الوكالات الحصرية.
د- إقرار وتطبيق قانون إستقلالية القضاء.
ه- إقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية
و- إقرار البطاقة التمويلية لوقف الدعم العشوائي والتهريب 
ز- إقرار قانون الشراء العام
ح- دعم القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وحماية الإنتاج الوطني.
ط- إقرار قانون الكابيتال كونترول
ي- إقرار قانون إنتخاب جديد وطني وعادل

3. حماية الحريات الفكرية، المدنية، السياسية، الإعلامية.

4. حماية القطاعات الصحية والتربوية.

5. تشكيل حكومة تقود وتنفذ هذه العملية الاصلاحية.

إن واقعية هذا الطرح طبعاً لا تلغي حقيقة أنه يشكل جزءاً من حلمنا الكبير الذي قاده المعلم كمال جنبلاط مؤسس الحزب من خلال برنامج التغيير الجذري الذي مثله البرنامج المرحلي للإصلاح السياسي. وإذا كانت استحالة التغيير هذا هي واقعٌ حالياً، فإن الواقعية عينها تجلت في مقاربة التقدمي التي من شأنها رسم مسار الأمور الإصلاحية، مع ضرورة اقترانها بترشيد العقل والأداء السياسيين رأفة بالبلاد ومستقبل العباد. كل هذا، من دون الاستسلام لهذه الواقعية بشكل مطلق، وأن يبقى المشروع المتكامل للتغيير والنهوض هو الهدف، وأن يبقى حلم توحد "الشعوب" اللبنانية في انتمائهم الوطني حياً لإقامة نظام سياسي عصري ومتطور وبناء دولة المؤسسات والمواطنة.