تلوث الليطاني والاستراتيجية المفقودة

محمود الأحمدية |

لبنان وبكل المقاييس من أغنى دول العالم في المياه... حيث واستناداً إلى كتاب البيئة الصادر سابقاً من وزارة البيئة يبلغ حجم التساقطات السنوي بشكل وسطي 12 مليار م3 من الأمطار يتبخر منهم ثلثهم والباقي 8 مليار م3 الحفاظ عليهم من مسؤوليات الحكومة...

هناك مثل هندي قاله أحد خبرائها البيئيين: "يعتبر تطور الدول الحضاري على قدر ما إذا سقطت نقطة من المياه على أرضها وحافظت عليها قبل أن تصل إلى البحر". ولبنان هذا البلد الذي تكلموا عنه تاريخياً بأريحية كبيرة وعن جمال تضاريسه وصفاء مياهه، بكل أسف انقلبت المقاييس ومع الأيام حوّلنا هذا الغنى في المياه وهذه المياه الصافية إلى مياه ملوثة سواء كانت في الينابيع أو في البحر أو الارتوازية أو مياه الأنهر ومن أقسى الوقائع تلوث نهر الليطاني وتحويله إلى مجرور حقيقي ينوء بحمل كل الملوثات الكيميائية والبكتيرية ومياه الصرف الصحي وبقايا المرامل ومناشير الصخر ونفايات الناس الذين وبدون أي مسؤولية يرمون كل أنواع النفايات في هذا النهر...

وعندما نقول لبنان وننظر إلى خريطته أول ما يلفت النظر هذا الشريان المائي الحيوي الذي ينبع بجوار بعلبك ويمر عبر بحيرة القرعون وسدها وصولاً إلى أقصى الجنوب قرب مدينة صور ويصبح اسمه نهر القاسمية ألا وهو نهر الليطاني 175 كلم تخترق طول لبنان من البقاع إلى الجنوب وبدل أن نرى هذه النعمة تتعملق إلى نقطة قوة على الصعيد المائي أي للري النظيف والشرب النظيف نرى هذا النهر تحول إلى نقمة حقيقية ومستنقع للجراثيم والكيميائيات ومياه الصرف الصحي وطمي الرمول والنفايات وإذا انتقلنا إلى مسببات هذا التلويث لنهر الليطاني نتفاجأ بأن هناك حوالي 140 قناة صرف صحي تصب في النهر ليلاً نهاراً وحوالي الماية مصنع تقذف بالكيميائيات في مياه النهر ومتنزهات ترمي ببقاياها والمسالخ ونفاياتها ومناشير الصخر وآثارها المدمرة على المياه وأطنان من النفايات التي تجعل المنظر لا يطاق على الصعيدين الجمالي والبيئي وفوق كل ذلك تأتي مخيمات الأخوة السوريين لتزيد الطين بلّة... والمصائب التي تنتج عن هذا التلوث تطال الإنسان والحيوان والنبات من أشجار مثمرة ومزروعات اشتهر بها البقاع فتحول إنتاجه إلى مصدر للإنتاج شبه الملوث بكل أسف وأكبر دليل على ذلك وقليلون الذين يعرفون أن الإمارات العربية المتحدة منذ سنتين أمرت بإيقاف استيراد التفاح من لبنان بعد أن تأكدت من تلوثه بعد فحوصات مخبرية!

أما عن الأمراض فحدّث بلا حرج: الحساسية ضيق التنفس السرطانات وهذا ليس بتعدٍّ على الحقيقة المرعبة والمؤلمة وفي إحدى قرى البقاع الواقعة على ضفة النهر وبكل أسف دلت الإحصائيات على حالتين وفاة بالسرطان من أصل كل خمس وفيات!! وكل ذلك نتيجة للري بالمياه الملوثة مما ينتج زراعة ملوثة وأمراضاً نتيجة لتلوث المياه والهواء والتربة...

ومن الإنصاف أن نفرق بين ثلاث متميزات على طول نهر الليطاني:

1-    من بعلبك حتى بحيرة القرعون أي في حدود 110 كلم: تحدثنا عنها بإسهاب في هذه المقالة.

2-    بحيرة القرعون نفسها: مستنقع كبير لكل أنواع التلوث وأخطر بما لا يقاس من النهر نفسه وهي مركز للسموم بكل أنواعها وفيها ترسبات بكتيرية تؤدي إلى تفاعلات هائلة وغازات H25 سرطانية خطيرة مما يجعلها مستقبلاً عصية على المعالجة إذا لم تتم وبسرعة معالجتها... حقيقة بيئية... مأساة بيئية... جريمة بيئية لا ترحم...

3-    القسم المتبقي حوالى 58 كلم من نهر الليطاني الواقع بين البحيرة والقاسمية قرب صور في الجنوب اللبناني – وضميرياً نقول بأن نسبة التلوث تقل كثيراً عن القسم البقاعي ويمر النهر عبر البقاع الغربي وحاصبيا والنبطية وصولاً إلى صور... وهذا القسم يعود تلوثه إلى المرامل والمنتزهات على ضفاف النهر... المرامل أدّت إلى تراكمات وترسبات في قاع النهر بما يُسمّى الطمي وبلغت سماكته من 10 سم إلى 20 سم مما سبب عوكرة المياه إلى نسبة 60% وقد قامت مبادرات إلى تقليل هذه النسبة إلى 30% ثم 15% نتيجة قرارات مشكورة بإقفال الأكثرية الساحقة للمرامل التي سبقت هذا التلوث... وهناك مياه الصرف الصحي الناتجة عن المنتزهات والتي ما زالت تلوث النهر عدا عن النفايات التي يرميها الناس بدون أي تبصّر أو وعي...

هذا كله في مجال التوصيف... أما إذا جئنا إلى المعالجة فلا مناص من خطة استراتيجية تستند على الأرقام والعلم وفقط العلم بعيداً عن المصالح التي دمّرت الوطن...

وفي عام 2013 أقر مجلس النواب مخططاً كاملاً لرفع التلوث عن كل نهر الليطاني... بتكلفة 800 مليون دولار...!! وهو رقم فلكي مع كامل احترامي وتقديري... وافهم وحسب مما يتوفر لي من علم ومعلومات أن المعالجة تتبع النقاط التالية:

1-    إخضاع القطاع الصناعي إلى معايير فنية يستطيع تطبيقها وذلك بمنع أي ملوث كيميائي أن يصل إلى النهر مثل كل بلاد العالم الحضاري.

2-    إنشاء شبكة صرف صحي مرتبطة بمجموعة محطات تكرير لكل البلديات التابعة للقرى على ضفاف النهر.

3-    المنع الفوري لمياه الصرف الصحي والوصول إلى النهر...

4-    إغلاق المرامل كل المرامل لأنها وبكل بساطة لا تحترم تقييم الأثر البيئي والنتيجة المباشرة والغير مباشرة لهذه الإجراءات أن مياه النهر المتحركة تستطيع تنظيف نفسها بنفسها وتبقى معالجة المياه الراكدة والترسبات في بحيرة القرعون والحديث يطول ويطول ويطول... صفحات وصفحات...

لن تسمح مساحة الكتابة في المجلة بالحديث عنها ولعلني وفي وقت قريب أتطرق في مقالة مستقلة إلى الخطوط الرئيسية والأمثلة العالمية لمعالجة هذا الموضوع الخطير الذي تحول إلى سرطان ينهش الوطن بشراً وحجراً ومياهاً وتربة.