إعادة التموضع الأميركي أحدثت إرتباكاً دولياً واسعاً

26 أيار 2021 17:27:06

أعطى حلفاء الولايات المتحدة الأميركية فترة سماح للإدارة الجديدة، ومارسوا صمتاً استراتيجياً خلال ما يقارب خمسة أشهر مضت، ذلك أن تعامل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مع ترِكة الرئيس السابق دونالد ترامب تحتاج الى جهدٍ كبير، خصوصاً منها التداعيات الداخلية لهذه الترِكة والتي كادت أن تُشعل صراعاً أهلياً في أميركا بعد مهاجمة مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني (يناير) الماضي، ومثل هذا الصراع لا تتحمله الولايات المتحدة التي ما زالت ترتعِب من ويلات الحروب الأهلية السابقة، خصوصاً منها التي سبقت الإستقلال قبل 243 عاماً.

 

أما أخصام واشنطن فقد استغلُّوا الإرتباك الأميركي لتوليف مقاربات دولية جديدة تتعامل مع واشنطن كواحدة من القوى العظمى، وليست القوة الأعظم، وحشد هؤلاء الأخصام عدّة المواجهة في أكثر من مجال وساحة، منها في مجالات تطوير الذكاء الاصطناعي ذات التأثير المهم على المكانة المتقدمة للدول، ومنها منازلات ميدانية في ساحات متعددة من إنحاء العالم. ويمكن إدراج الوثبة التكنولوجية الصينية وسط الإنكماش الذي أحدثته جائحة كورونا كمثال على الطحشة المنافسة لواشنطن على المستوى الدولي، والاستقواء الذي تتعامل بموجبه إيران في مفاوضاتها النووية مع مجموعة الدول الكبرى في فيينا كمثال على الطحشة الإقليمية.

 

ليس واضحاً لدى حلفاء واشنطن في ما إذا كان التخلي عنهم لهذه المدة ناتجٌ من الانشغال بالوضع الداخلي، أم أنه ناتجٌ من إعادة نظر جذرية في ثوابت السياسة الخارجية الأميركية. وتلك الوضعية بالتحديد سَرَت على الشرق الأوسط، بحيث شعر أصدقاء واشنطن بالخيبة من إنكفائها، ومن مجاراتها لمنافسيهم، خصوصاً في تشجيع التمادي الإستيطاني الإسرائيلي، وفي رفع العقوبات عن الحوثيين في اليمن، وفي سرعة الإستجابة لمطالب إيران في مفاوضات فيينا، وبالتالي استبعاد مناقشة ملف الأسلحة الصاروخية الإيرانية بالتزامن مع مناقشة تجديد الاتفاق النووي الذي أبرمته واشنطن والدول الخمس الأخرى مع طهران عام 2015.

 

وتبادل الاتهامات بنبرة عالية بين الرئيس بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ كانت أقرب الى التسلية الإستراتيجية، ولا توحي بخطة لإدارة جديدة للملفات الدولية، كما أثرت في سمعة المكانة الأميركية وشجعت الجنوح الروسي في أكثر من مكان في العالم، لكن الاجتماع الذي حصل في إيسلندا بين وزير الخارجية أنتوني بلينكن ونظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش اجتماع مجلس القطب الشمالي في 19 أيار (مايو) 2021 بدَّد بعض ما في الصورة المشوشة. وقد حمل اجتماع إيسلندا مؤشرات جديدة، أوضح فيها الجانب الأميركي أن سحب قواته من أفغانستان كما إنكفائه عن متابعة الملفات الدولية الساخنة مثل أزمة الشرق الأوسط وملف كوريا الشمالية؛ لا يعني أنه تراجع او هزيمة، بل هو إعادة تموضُع جديدة، تأخذ في الاعتبار الأولويات التي تواجه العالم، ومنها الملف الصحي، وملف الأمن السيبراني، وأخطار الإرهاب الألكتروني والمالي. أما لافروف، فقد استغلَّ مناسبة الاتصال الرسمي الأول بين الإدارتين للتأكيد على استعداد موسكو للتعاون مع واشنطن، وتنظيم الخلافات الجوهرية بين البلدين، خصوصاً منها ملف الخلاف على استكمال خط نقل الغاز الشمالي "نورث ستريم- 2" والأزمة السورية والملف النووي لإيران وكوريا الشمالية، كما في موضوع الانتشار العسكري لقوات الفريقين وسط أوروبا، وحول أوكرانيا.

 

الأحداث التي وقعت في غزة والقدس، خصوصاً منها العدوان الوحشي الذي ارتكبته القوات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، والذي أسفر عن سقوط مئات الضحايا، وتدمير عشرات الأبنية السكنية؛ كانت تنبيهاً واضحاً للإدارة الأميركية، وقد استدركت هذه الإدارة خطأ التجاهل والاستخفاف بما يجري في اللحظات الأخيرة، وتدخلت بقوة مع مصر وأطراف أخرى لفرض وقف إطلاق النار، لأن استمرار العدوان كاد أن يخلق أجواء جديدة، تتفلَّت معها الأوضاع من كل القيود، لا سيما بعد أن أثبتت المقاومة الفلسطينية في غزة وغيرها قدرة كبيرة على الصمود، وتوضَّحت معالم تعاطف شعبي عربي وإسلامي ودولي هائلة مع الحقوق الفلسطينية، وهذا التعاطف بدأ يتحول الى تحركات ميدانية في الدول المحيطة بإسرائيل خصوصاً مصر والأردن ولبنان.

 

من الواضح أن قرار زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الى الشرق الأوسط بعد فترة من الغياب عن الساحة الساخنة، كانت بدافع الخوف من الإنفلات الذي بدأت تتوضَّح مؤشراته على الساحة الفلسطينية والعربية عامة، لأن سياسة ترامب ساهمت في الإخلال بالتوازن في المنطقة، وشجَّعت إسرائيل على التمادي في العدوان بعد أن اعترفت لها بضمّ الجولان وبنقل عاصمتها الى القدس، كما أن السياسة الأميركية خدمت الطموحات الإيرانية في الجوار العربي، ذلك أنها فرضت مساكنة غير متكافئة بينهما في العراق، وفَّرت لإيران عوامل التمدُّد أكثر مما قيَّدت حراكها، وهذا ينطبق على سوريا ولبنان، حيث خدمت العقوبات الأميركية الموالين لإيران في البلدين أكثر مما حاصرتهم، وساهمت في إنتاج فوضى حدودية ومالية وتهريبية مُخيفة، وهي دفعت أصدقاء واشنطن الى البحث عن بدائل للمقاربات السابقة، بما في ذلك إعادة نظر هؤلاء بمواقفهم من إيران ومن النظام السوري، حيث يبدو واضحاً أن تمرير الانتخابات الشكلية للتجديد للرئيس بشار الأسد يأتي على وقع تعامي أميركي ودولي، إذا لم نقُل بموافقتهم.

 

إعادة التموضع الأميركي في مناطق عديدة من العالم، بما في ذلك في الشرق الأوسط، أدت إلى ارتباك دولي واسع. فهل تعيد واشنطن النظر بهذه المقاربة التي لم تكُن في صالحها، أم أنها ستعتمد من دون التباس المقاربة التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما وهي أدت الى كارثة حقيقية دفعت ثمنها شعوب المنطقة العربية على وجه التحديد؟