قراءة في الأزمة المالية بين الشعبوية وسوء الحُكم!

25 أيار 2021 08:46:45 - آخر تحديث: 26 أيار 2021 08:19:24

منذ وصول العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة الأولى، عاشت البلاد حالة من الترقّب الاقتصادي في هجعة "العهد القوي" وظهور ما سميّت "ثورة تشرين"، والتي أدّت إلى حالة تدهور حكومي تبعها تدهور مالي تفاقم مع هبوط في الإيرادات الحكومية جرّاء ازدياد أنشطة عمليات التهريب، ونماء منظومة الفساد، والإنفاق الحكومي غير المبرّر، وغيرها من العوامل والمسبّبات التي أضعفت مالية الخزينة العامة. وبطبيعة الحال ازداد معها معدّل الدَّين العام وخدمته، في ظل استمرار الحكومة بدفع رواتب وأجور القطاع العام، والأموال المهدورة المحوّلة، كتمويل صفقات وبواخر لحساب قطاع الطاقة.

ولا مشاحة من القول إنّ النظام السوري لم يبتلع خروجه من لبنان الذي شكّل له ولأزلامه، وعلى مدار ثلاثة عقود وأكثر، مورداً مالياً هاماً، وعمِل طوال وضع يده على تهديم اقتصاده، حينما بسط هيمنته على منافذه من المطار إلى المرفأ والحدود البرّية. هذا إلى جانب تحكّمه بالسياسات المالية والضريبية ضماناً لزيادة مكاسبه. فكان منه تركيز وديعته على مفاصل أساسية في الاقتصاد سواءً في وزارات الطاقة والخارجية وغيرها، لضمان بقائه فاعلاً على الساحة اللبنانية.

هذه العوامل وغيرها، وفي ظل اقتصادٍ ليبرالي حرّ ومفتوح على الدولرة نتج من جرّائها أزمة مالية أحدثت انهياراً في قدرة الليرة على نحو دراماتيكي، وفقدانها ما يوازي 90 بالمئة من قيمتها، والتي من الطبيعي أن يرافقها بروز ظاهرة التغيّر في مستويات الأسعار، فدخلت البلاد في جهنم التضخّم لم تشهدها من قبل، حيث ارتفعت معدّلاته بشكلٍ خطير وصلت معه أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى عشرات أضعافها وأزيَد مع تقلباتٍ يومية لسعر صرف الليرة، ما دفع بالمؤسّسات التجارية إلى تعديل أسعارها بشكلٍ يجاري سباق التغيّرات في سعر صرف الليرة، وبحدّه الأعلى المتوقع. وأضحى التسعير بالدولار فيما الرواتب والأجور تُدفع بالليرة، وتقلّص الحدّ الأدنى للأجور من 450 دولاراً إلى 54 دولار. وهذا ما أثّر بالسالب على المداخيل الحقيقية للمواطنين، فباتت الهجرة هي الحلّ الأنسب للخروج من الضائقة الاقتصادية الحرجة.

أحدثت الأزمة المالية انعكاسات سلبية على واقع وحياة اللبنانيين وعلى مدخّراتهم، فجرفت معها الكثير من ثرواتهم وأصولهم الثابتة المحرّرة بالعملة الوطنية، كما ضاعت نسبة عالية من ودائعهم بالعملة اللبنانية لتُحدث لهم صدمة مدوية، كما أحدثت شرخاً في واقع الاقتصاد الوطني في ارتهانه للعملة الخضراء، والتي صبّت المصارف اهتماماتها على تجميع العملة الدولارية في ظل أجواء هبوط الليرة المتسارع. وفي هذا ما يؤشّر إلى طول مدّة معالجة الحال الاقتصادي اللبناني وإلى إعادة لبننته، حيث لم تعد الليرة اللبنانية الوسيلة المثلى للتبادل والادخار. فالتبادلات التجارية الداخلية، وإن كانت تتم بالليرة، إنما تقيّم بالدولار وعلى سعر صرف السوق السوداء، وهو سعر غير علمي يضعه صرّافون ومضاربون غير شرعيون، ضاربين عرض الحائط بالضوابط القانونية والمصرفية، على الرغم من فقدانه عملياً من السوق، وانحسار تموضعه بالرأسمالية الصيرفية.

ووسط الضجيج السياسي المفتعل من قِبل بعض الثورجيّين التشرينيّين الذين يجادلون بفصل السياسيين عن الحكم والسلطة، وإطلاقهم شعارات شعبوية لا تتناسب ومفكرة الصيغة اللبنانية، طارحين شعارات عشوائية أقلّ ما تفتقر إلى الدرس والمنطق، أن ساهمت بجزء كبير في تذبذب مؤشرات الاقتصاد المحلي، وبروز حالة من الركود ترافقت مع ظهور الإفلاسات في العديد من المؤسّسات الاقتصادية، وبكافة القطاعات على وجه العموم، مما رفع من معدّلات البطالة للعمالة المحلية، وما وصلت إليه الحال من تآكل القدرة الشرائية للعملة المحلية، والأهم ضياع الفرص البديلة في منظومته الاقتصادية.

وهنا، لا بدّ من التوقّف وقراءة سريعة في تاريخ الحركات الثورية والتي تتأسّس في البدء على فكرٍ، يعقبه تنظيم، وقيادة تشرح توجّهاتها المقبلة كخارطة طريق ممنهجة يتصدّرها برنامج اقتصادي- اجتماعي شامل. فالثورة البلشفية، على سبيل الذِكر، سبقها وضع تنظيم فكري ثوري طرح جملة أفكار شكّلت إطاراً لها، جَهِدَ على وضعه ف. لينين سنوات وسنوات بلغت أوجّها حين اختلائه في فترة اعتقاله، فكان أن بلورت مشروعها الفكري الثوري ممهدةً بذلك طريقها إلى السلطة عام 1917. وكان من نتائجها تصويب للنهج السياسي، واعتماد نظام اقتصادي واجتماعي يتوافق والمرحلة في حينها.

 ففي هذا السياق - وبحسب المفكّر كمال جنبلاط - أن الثورية ليست باعتناق الكلمات الطنانة العنيفة الجوفاء، ولا باتّخاذ المواقف المجفلة، ولا بتهديم كل تقليد، ولا باعتماد كل جديد، فالتغيير يأتي من داخل الإنسان وليس من خارجه... 

أما والحركة التشرينية فقد قامت على الطابع الشعبوي دون مسوّغ أيديولوجي أو صيغةٍ ما. فلا فكر سبقها، ولا رؤية مستقبلية أوضحت معالمها، ولا مدوّنة طريق قيادية شرحت مسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل جلّ ما أفرزته جملة شعارات، وكمٍ من التحرّكات، وسيلٍ من الاتهامات، وطوفان من غموض وحججٍ غرائزية، حرّكت بصورة آلية مبرمجة أدواتها، وأدّت في ما أدت اليه إلى شلل مناطق اقتصادية حيوية عدّة، وبدأت بالمناداة باسترداد الأموال المنهوبة. تنبّه إليها بعض السياسيين والرأسماليين من أصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات، فعمدوا إلى إخراج أموالهم من البلد بطريقة منهجية إنسيابية، حتى أُفرغ الاقتصاد المحلي من العملة الخضراء، وسارع بعض مقتنصي الفرص إلى المتاجرة بما تبقّى منها في السوق الداخلي - مفتعلين ما أشبه بحرب عملات، كان ضحيّتها المواطن الذي لم يعِ خطورة الموقف حينما دخل القطاع المصرفي -  ومعهم الصرّافون، لاعبَين أساسيَّين، فعمد مهندسو المصارف إلى الحدّ من سحب المواطنين لودائعهم والإبقاء عليها رهينة إحلال هندسة مالية تتواءم ومصالح هؤلاء الرأسماليين المصرفيين.
فلو قيّض لبعض الثورجيين هؤلاء تسلّم زمام السلطة، فهل كانوا سينأوون بأنفسهم عن فِعل السياسة؟ فلا غلو من القول إنّهم وبلا أدنى شك سيدخلون نادي الطبقة السياسية!

وبين مطرقة سوء إدارة الحُكم وسندان شعبوية حركة تشرين، اكتمال لمشهدية تهديم الاقتصاد. فالغزوة "القضائية" العونية على مرافق اقتصادية مالية استثمارية، وبلا شك، تسهم في بعث الرعب في نفوس أيٍ من المستثمرين المحتملين، مدعومة بحديث رأس الدبلوماسية الذي كاد أن يحدث أزمة علاقات مع دولٍ مضيفة لأبناء لبنان، أن تطيح معها بالمال الاغترابي. كل ذلك يدفعنا إلى الإعتقاد أن هناك ترابط ما بين انهيار اقتصاد لبنان ونشوء أزمته المالية، وبين أداء بعض التشرينيّين، وممارسات الحُكم!

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".