الاسواق الناشئة وتحديات المستقبل

20 أيار 2021 18:55:01 - آخر تحديث: 21 أيار 2021 18:49:01

 يحتل النقاش حول مستقبل الاسواق الناشئة حيزاً واسعاً وذلك لاهمية النموذج الذي قدمته هذه الاسواق في جذب الاستثمارات الاجنبية وفي الحفاظ على استدامة النمو، الامر الذي ادى إلى ارتفاع حصة هذه الاسواق في الناتج الاجمالي العالمي الى 35 في المئة. وعلى الرغم من التحديات التي واجهت الاسواق الناشئة من خلال هروب رؤوس الاموال وهبوط العملات، مازالت توقعات عدد كبير من الاقتصاديين والمحللين الماليين واعدة في شأن الفرص الاستثمارية التي توفرها هذه الاسواق ومستقبلها في الاقتصاد العالمي.  

وفي هذا المجال، توقع التقرير الصادر عن الشركة المهنية الدولية بعنوان "العالم في 2050" أن من بين الاقتصادات العشر الاولى في العالم ستكون الدول الناشئة مثل الصين، الهند، اندونيسيا، البرازيل، روسيا، المكسيك.  كما توقع التقرير بان تشهد الاسواق الناشئة بسبب تنامي معدل النمو الاقتصادي فيها ارتفاعاً بنسبة حصتها من الناتج المحلي العالمي الاجمالي .

التوقعات المتفائلة بشأن المستقبل الواعد للاسواق الناشئة يقابلها توقعات بنك "مورغن ستانلي" الاستثماري التشاؤمية حيث خفض نظرته المستقبلية لعملات وسندات هذه الاسواق بالاضافة الى توقعات تراجع العملات بنسب تتراوح ما بين 4 و 5 في المئة ،  كما يقابلها تقارير المؤسسات المالية الدولية التي تشير الى هروب مليارات الدولارات من هذه الاسواق باتجاه الاسواق المتقدمة وفي مقدمها الاقتصاد الاميركي .  

وبحسب بيانات معهد التمويل الدولي فإن المستثمرين الاجانب يتجهون الى تسييل محافظهم المالية المستثمرة في ادوات الدين في الاسواق الناشئة مثل السندات وكذلك الاسهم. وقد بلغ اجمالي الاموال النازحة من تلك الاسواق منذ ايلول 2020  وحتى آذار 2021 حوالي 4.9 مليار دولار.  

ويشير معهد التمويل الدولي ايضاً الى أن الأسواق الناشئة باتت غير جاذبة لاستقطاب اموال واستثمارات خارجية جديدة ، حتى لو رفعت بعضها اسعار الفائدة المحلية. واشارت بيانات اخرى الى أن حجم ديون الاسواق الناشئة التي يحين اجل سدادها تقدر بنحو 200 مليار دولار في عام 2021 ، الامر الذي يشكل ضغطاً كبيراً على عملات الدول واحتياطاتها من النقد الاجنبي ويؤدي الى زيادة وتيرة الاقتراض الخارجي باسعار فائدة عالية.

ليست المرة الاولى التي تواجه فيها الاسواق الناشئة تحديات هروب الرساميل والتراجع في عملاتها، ولعل الازمة المالية التي شهدتها اسواق شرق آسيا عام 1997 هي من اقوى الازمات التي حولت معجزة الاقتصاد الآسيوي الى كارثة اقتصادية في ذلك العام.  وفي العام 2014 شهدت بعض الاسواق الناشئة هروب رؤوس الاموال، ولكن حجم الرساميل التي خرجت من هذه الاسواق في ذلك العام لم تطرح ازمة شبيهة بالازمات  السابقة .  ولا شك في أن تراجع العملات في العديد من البلدان الناشئة ومستويات المديونية العالية قد رفع من نسبة المخاطر في اسواقها.

لذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل مازالت تمتلك الاسواق الناشئة ميزات تفاضلية لجذب الاستثمارات؟

 من الخطأ وضع الاسواق الناشئة كافة في وعاء واحد حيث أن عدد من هذه البلدان يعتمد على تصدير السلع الاساسية ، والبعض الاخر يعتمد على تصدير الصناعات، وبالنتيجة كلاهما ينمو ويتطور بطريقة مختلفة.  لكن القواسم المشتركة بين هذه الاسواق أنها تتأثر بشكل بالغ بسياسات بنك الاحتياط الفيدرالي الاميركي، حيث يعتبر كثير من المحللين الماليين ان حركة هروب رؤوس الاموال التي شهدتها هذه الاسواق في مراحل مختلفة سببها الرئيسي التقليص التدريجي لبرامج شراء الاصول لدى البنك الفدرالي، والذي من شأنه ان يرفع توقعات اسعار الفائدة في الاسواق المتقدمة ، علماً ان الاسواق الناشئة والتي اتجهت الى المزيد من المديونية بعد ازمة الرهن العقاري عام2008، قد استفادت من اسعار الفائدة المتدنية على مدى عقد من الزمن .

ويبدو أن اسباب نزوح الاموال من الاسواق الناشئة في هذه المرحلة مرتبطة ايضاً بسياسات البنك الفدرالي، وبعوامل جديدة منها سرعة تعافي الاقتصاد العالمي وضخامة حزم التحفيز المالي في الولايات المتحدة الاميركية ،وكذلك التوقعات القوية بزيادة سعر الفائدة على الدولار في العام 2022 ونمو الاقتصاد الاميركي بنسبة تفوق 5.6 في المئة،  في العام 2021، واستمرار زيادة المخاطر في الدول الناشئة مع التاثيرات الضخمة لجائحة كورونا على اقتصاديات هذه البلدان . ولعل المثال الصارخ في هذا المجال هو عدم قدرة الهند على مواجهة الموجة الجديدة وانهيار القطاع الصحي، حيث تشير التوقعات بان يصل عدد الاصابات فيها الى مليون اصابة في اليوم مع الآلاف الموتى.

 بالطبع هذه التحديات الكبرى التي تواجهها الاسواق الناشئة من المفترض ان تدفع باتجاهات البحث عن مسارات جديدة، لاسيما في التأسيس لجذب الاستثمارات الطويلة المدى، والتي تقلل من نسب المخاطر التي تطرحها سياسات البنك الفدرالي الاميركي، وتقليص نسبة الديون الحكومية المملوكة لمؤسسات اجنبية .

 ومن جهة ثانية، وكما قام العديد من هذه الدول باصلاحات بنيوية عقب ازمة اواخر التسعينات واعادت الجاذبية الى هذه الاسواق ، فإن تداعيات كورونا على اقتصادات هذه الدول من المفترض أن تفتح مسارات الاصلاح كما يجري في الصين والسعودية. كما أن المسار الجديد الواعد لهذه الاسواق ، يكمن بالقدرة على تسريع الانخراط في الاقتصاد الرقمي حيث من المتوقع ان تبلغ الايرادات الرقمية عام 2025 في اقتصاد جنوب شرق آسيا حوالي 500 مليار دولار . وأخيراً ، ارتفاع اسعار السلع الذي نشهده منذ نهاية 2020 يشكل فرصة ايضاً امام الدول الناشئة التي تعتمد اقتصاداتها على تصدير السلع ، لتجديد الاستثمارت لاسيما في قطاع الطاقة الخضراء التي من المتوقع ان تحتل 50 في المئة من سوق الطاقة في حلول العام 2050.

* استاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية- كلية الحقوق والعلوم السياسية