نكبة لبنان ونكبة فلسطين

20 أيار 2021 08:34:50 - آخر تحديث: 21 أيار 2021 18:45:42

ذكرى النكبة الفلسطينية هذا العام تترافق مع ظروف في غاية الصعوبة في الأراضي العربية المحتلة وفي لبنان، وهو الذي عايش هموم هذه النكبة منذ يومها الأول قبل 73 عاماً، وذلك عندما لجأ إليه آلاف الفلسطينيين هرباً من آلة القتل الإسرائيلية. 

ومع العدوان المتنامي على القدس، وعلى غزة، وعلى الضفة الغربية، يتفاقم الوضع في لبنان أيضاً إلى ما يُشبه النكبة الحقيقية التي لم تشهد لها البلاد مثيلاً حتى في أيام الحرب وإبّان العدوان والاحتلال.

ويمكن التأكيد أنّ غالبية الشعب اللبناني مُتفاعل مع ما يجري في فلسطين، ومتضامن مع الشعب الفلسطيني إلى درجة الاستعداد للخروج من كل المُقيّدات والمخاوف، كما حصل مع ابن الجنوب، الشهيد محمد طحان، ورفاقه الذين حاولوا اجتياز الشريط الشائك مع فلسطين المحتلة غير آبهين بآلة القتل الإسرائيلية، ولا بتجهيزات العزل التي تفصل حدود لبنان عن فلسطين المحتلة.

وتختلف ردود فعل القوى السياسية اللبنانية تجاه ما يجري. فمِن هذه القوى مَن يعتبر الحدث كأنه يحصل في لبنان، ويتضامن بكل الوسائل الإعلامية والسياسية مع الفلسطينيين، ومنهم مَن عبّر عن موقف على سبيل المجاملة وأدان العدوان، وبعض هذه القوى خاف من تمدُّد التوتر إلى لبنان بعد أن سقطت صواريخ في شمال إسرائيل مصدرها الجنوب وعلى عدة دفعات. لكن الأغرب في هذه المواقف كان صمت حزب الله وحلفائه في ما يسمى بمحور الممانعة، بحيث لم يصدر أي كلام علني عنهم، كما أثارت إشاراتهم الإعلامية بعض الخشية، أو الحيرة، لأنهم تقصَّدوا الإعلان الفوري بأنهم غير مسؤولين عن الصواريخ التي انطلقت من جنوب لبنان، وهم لم يدعوا إلى أي نشاط تضامني يمكن أن يفسَّر على أنه استفزار للإسرائيليين، برغم أن الجمهور المؤيد للمقاومة كان في طليعة الذين يتفاعلون تضامناً مع الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة.

واضحٌ أن لبنان يعيش نكبة واقعية برغم عدم وجود احتلال خارجي مباشر. وسبّب القيّمون على الدولة في محيط الرئاسة الأول، ومن يدعمهم، ويلات لا توصف دفع ثمنها الشعب، وآخرها سقطة شربل وهبي الذي تمّ تكليفه بوزارة الخارجية بعد استقالة د. ناصيف حتي الذي لم يستطع التعايش مع الفريق الحاكم لفترة أطول. 

التأثيرات السلبية لفوضى الفريق الحاكم فاقت كل تصور، والهلاك الناتج عن الفراغ في مؤسّسات الدولة أصاب مصالح الناس بالصميم، خصوصاً الفراغ في مجلس الوزراء المناط به قيادة السلطة التنفيذية وفقاً للدستور الذي أقرَّ بعد إتفاق الطائف للعام 1989، والفراغ أوقع البلاد في كارثة مالية ومعيشية، وأمنية، وقضائية، قاسية. وبدا من خلال مواقف كبار المسؤولين  أن تهميش القوانين وتهشيم سمعة الدوائر الحكومية يمكن أن يكون خياراً سياسياً يُتيح للعهد وحلفائه الاستفراد في توجيه وحدات الدولة وأجهزتها لأنها أصبحت مكشوفة من دون أي غطاء في ظل وجود هذا الفراغ.

كثير من المواقع القضائية والأمنية والإدارية أصبح شاغراً أو يُدار بتصريف الأعمال، ومعظمها تولاه بالوكالة أشخاص مُعيّنون من دوائر العهد، وهؤلاء يتدخلون بكل شاردة وواردة- وآخر تدخلاتهم كان الضغط على مجلس شورى الدولة لتوقيف مفعول قرار مدعي عام التمييز الذي يحد من جنوح القاضية عون، لكن قضاتة لم يستجيبوا للضغوط- ولم يقدم الفريق الحاكم  أية حلول للاختناق المالي، وللعتمة الكهربائية، وللويلات التي يعاني منها الناس في المجالات الصحية والمعيشية، وفي عدم توافر فرص العمل. بل أنهم يروجون أخباراً مُضلِّلة عن عدم مسؤوليتهم عما حصل، بينما الوقائع تُثبت أن ما حصل كان من صنع أيدي المتحكمين بزمام الأمور منذ خمس سنوات على أقل تقدير. وهذا بالضبط ما أشارت اليه التقارير الدولية المحايدة، وكذلك ما جاء في الأسباب الموجبة التي دفعت بعض الدول إلى فرض عقوبات على شخصيات لبنانية، وذكرت هذه التقارير أن العقوبات كانت على خلفية الفساد، وتبييض الأموال والتهريب، وليس على خلفية الخيارات السياسية.

يمكن تأكيد حصول نكبة لبنانية تتشابه في بعض أوجهها مع نكبة فلسطين، عندما نرى أن أكثر من 60 بالمئة من اللبنانيين أصبحوا تحت خط الفقر. ولبنان تراجع في قائمة الدول التي تحترم حرية الصحافة من المرتبة 56 بين 181 دولة الى المرتبة 107، وقطاعه المصرفي، الذي كان الأول عربياً، أصبح في أسفل اللائحة. وتجري في لبنان أكبر عمليات التهريب. 

والأهم من كل ذلك، فإنه من أصل 4 سنوات و8 أشهر من عمر العهد الحالي، قضى لبنان ما يقارب سنتين و4 أشهر من دون حكومة، والأكيد أن المسؤولية عن ذلك تقع على عاتق الفريق الحاكم، وعلى داعمين له، وبعض الضائعين بين الاستشارات المتلاطمة بين أمواج الهياج الإقليمي والدولي.

وكان ينقص لبنان الجريح قطع نشاشة الخير التي تتسرب من مخزون الاحتضان العربي في الخليج، من جرّاء رعونة دبلوماسية أخرجها وهبي إلى العلن، بينما الرعونة قائمة منذ فترة في دوائر الخارجية المتهالكة منذ فترة طويلة.

أعان اللّه فلسطين على أعدائها وحوش القرن، والأمل لم ينقطع بعد من توافر فرصة إنقاذ لبنان من براثن العابثين بمصالح شعبه، ومن الذين يمارسون هواية التلاعب بالدستور، وهي بمثابة رقصة الموت في لحظة سياسية حرجة.