في الذكرى الـ 42 لاستشهاده... رسالة من كمال جنبلاط

بسام أبو غوش |

"... ولنقف جميعنا في لبنان في وجه كلّ رجعيّة تريد أن تمنعنا أن نسير كما يتوجّب على أبناء البشر أن يسيروا، يتوقون إلى الحريّة وإلى الإرتواء من ينابيع الحقيقة وإلى الإرتفاع بنفوسهم في جهادهم المهني أو المعيشي الصغير، لأنهم أدركوا أنّ الحياة نضال مستمرّ، ومن يتوقّف عن النضال تدركه حشرجة التقلّص والتراجع والتخلّف عن ركب الحياة. والتضحية واجب ونهج أصيل في النفس للارتقاء الدائم، لأنها تزيل أنانيّتنا، لأنها تميتنا في كلّ لحظة، في كلّ دقيقة، لكي نحيا من جديد الحياة المنطلقة الزّاهية العامرة.

والأهم من ذلك، أن يعود إلى قلوبنا وعقولنا شيء من هذه الحماسة، أو من هذا الإيمان الصغير بإمكانيّاتنا وببلادنا وبتعاوننا الجماعي وتضامننا، فوق ترّهات الحزبيّات والعنعنات العصبيّة المقيتة والإنعزاليّات المميتة الخاوية من كلّ عرس للحياة".

صرخة أطلقها المعلّم الشهيد كمال جنبلاط في كتابه "ثورة في عالم الإنسان"، فأين نحن منها اليوم؟!

هل نحن نتوق الى الحريّة ونسعى جاهدين لطلب الحقيقة؟ أم تكبّلنا القيود والأوهام؟

هل نحن نناضل للنهوض بذواتنا وبمجتمعنا؟ أم ما زال هناك ما يعيق تطوّرنا والتحاقنا بركب الحياة؟

هل نحن نرتقي باتّباع نهج التضحية بالذات لأجل الآخر؟ أم تميتنا أنانيّتنا في كل لحظة؟

هل نحن نؤمن بوطننا الصغير الكبير وبأهميّة تعاوننا الجماعي وتضامننا للحفاظ عليه؟ أم أنّنا ما زلنا أسرى العصبيات المقيتة والإنعزاليّات المميتة؟

وللبحث في هذه الإشكاليّات بحد ذاتها اليوم أهميّة خاصة وضروريّة، إذ إنها تسلّط الضوء على مصير وطنٍ بين الواقع والمرتجى؛ تسلّط الضوء على حُلم كمال جنبلاط.

كان كمال جنبلاط مفكّرًا فلسفيًا ومفكرًا دينيًا في آن، كما كان اجتماعيًّا سياسيًّا ومفكّرًا اشتراكيًّا، صاحب نظريّة في كيفيّة بناء مجتمعٍ يخدم الإنسان في حقيقته، من خلال توفير احتياجاته الفيزيولوجيّة والماديّة أولًا، ثم حاجاته الإجتماعيّة والروحيّة. هذا يسمح لهذا الإنسان أن يبلغ سعادته في مجتمع أسماه كمال جنبلاط "مجتمع الكفاية والعدل"، في ظلّ نظريّة شاملة في الفلسفة هي نظريّة وحدة الوجود، وفي المجتمع من خلال ديمقراطيّة العلاقة بين المواطن والدولة والعلمنة المرنة للإقتصاد ولمؤسسات الدولة وللحياة الإجتماعيّة، من دون التدخّل أو إلغاء الحيّز الفردي أو الشخصي الذي أبقاه كمال جنبلاط مساحة خاصة، فرديّة، وشخصيّة يمارس فيها كل فرد حرّيّته وقناعاته، ومنها إيمانه الديني.

 وفي الموضوع عينه نضيف أنّ اشتراكيّة كمال جنبلاط هذه كانت تقدّميّة، أي أنّها تتبنى العلم وآخر مستجدّات التطوّر العلمي وتوظيفه في خدمة الإنسان وتطوّر الحضارة وتثمير الإبداع الجاد، ولكنها كانت أيضًا اشتراكيّة أخلاقيّة، أي قريبة جدًا من الدين وأطروحاته المعنيّة بالأخلاق والصحة والنزاهة والمجتمع الخالي من الشوائب. فهذا البعد عن العنصريّة الذي عبّر عنه كمال جنبلاط، وهذا التّنوّع والتلاقي بين الأديان والمذاهب والإحتفاظ بالبعد الروحي والاخلاقي من جهة وتبنّي نتاج العلم في القول والعمل المباشر من جهة ثانية، هو دليل غنى وازدهار وتطوّر وانفلات من قيود الأنا الفردانيّة المتحجّرة، ليصبح الإنسان عنده هو الغاية وهو المحور.

إنّ هذه الأفكار جميعها هي في صلب أهداف الحزب التقدّمي الإشتراكي الذي أراده المعلّم الشهيد كمال جنبلاط حزب الوعي والحريّة والتقدّم وبناء الإنسان..

فهل استشهدت فعلًا معلّمي؟! أم أنّك تبعث مع كلّ ربيع جديد؟!