قرار أسود من البيت الأبيض

غازي العريضي |

بتاريخ 22 تموز 2015 وفي كتابي "إدارة الخراب" صفحة 176- 177 أي بعد أيام من توقيع الاتفاق النووي مع إيران في ظل إدارة الرئيس أوباما كتبت عن إصرار نتانياهو على تكريس سيادة دولة الإرهاب اسرائيل على الجولان، مستنداً الى ما سمّي "وديعة" الرئيس الأميركي الراحل جيرالد فورد أي الوعد الذي قطعه لرئيس حكومة اسرائيل اسحاق رابين عام 1975. ومما جاء فيه : في متابعة لـ "الثمن السوري" الذي يريده بنيامين نتانياهو فوق الأثمان العسكرية والمادية والضمانات الاستراتيجية المباشرة الدولية لأمن اسرئيل، بعد اتفاق فيينا، يعود الى الجولان، الى مواقف وتعهدات سابقة سوف يبني عليها مواقفه ليطلب من الإدارة الأميركية الحالية وغيرها من المؤسسات الأميركية المعنية الموافقة عليها. ففي الحديث عن الإرهاب قال نتانياهو منذ أشهر وتناولنا ذلك في حينه،" إن الخطر في الداخل. وعلى أبوابنا. والمبادرة العربية التي أقرّت عام 2002 في بيروت أعدت لشرق أوسط كان قائماً آنذاك. الشرق الأوسط هذا تغير. لم يعد موجوداً. فلا يحدثني أحد عن الجولان. إنسوا الجولان. لن يعود الى سوريا"!! الذريعة بطبيعة الحال أن النظام السوري انتهى، حالة الفوضى ستكون طويلة، "الإرهاب" في كل مكان وعلى حدود اسرائيل وبالتحديد في المنطقة المحاذية للجولان واسرائيل تريد حماية نفسها!! إضافة الى الموقع الاستراتيجي الذي يمثله الجولان. بعد موقفه أطلق عدد من مسؤولي المخابرات والأمن الحاليين والسابقين تصريحات أشاروا فيها الى أن "سوريا التي عرفنـــاها ماتت. النظام الحالي انتهى. سوريا ذاهبة الى التقسيم. قد ينحصر وجود الأسد في المنطقة العلوية. ولا يجوز التخلي عن الجولان أمام هذا الواقع"!!

وكان رئيس المخابرات الألمانية قد سبقهم الى الحديث عن احتمال تقسيم سوريا في ظل ما تشهده من فرز وتقلص لحضور النظام!!

وذهب باحثون استراتيجيون الى التذكير بما أسموه "وديعة فورد" أي الوعد الذي أطلقه الرئيس الأميركي السابق جيرالد فورد لرئيس الحكومة الاسرائيلية اسحاق رابين عام 75 في سياق تأكيد الضمانات الاستراتيجية المطلوبة لحماية اسرائيل .فقد صدر تعهد رئاسي أميركي مكتوب يتضمن حاجة اسرائيل الاستراتيجية لهضبة الجولان حتى في مرحلة السلم إذا ما تم التوصل اليه!! الباحثون المذكورون يطرحون اليوم ضرورة العودة الى الوديعة، ومطالبة الإدارة الأميركية بها. فالوقت مناسب لإعادة تأكيد هذا الالتزام في ظل سيطرة "داعش" على مناطق واسعة من سوريا، والقلق الدولي من هذا التنظيم و "إرهابه"، وتراجع نفوذ النظام الى مناطق محددة، بعد أن خسر ما يقارب الـ 70 % من الأراضي حسب تقارير المخابرات المركزية الدولية المتابعة للوضع في سوريا!! ويعتبر هؤلاء أن الفرصة مؤاتية وبعد توقيع الاتفاق مع إيران للتمسك بهذا المطلب وتأكيده. خصوصاً أن إدارة أوباما انسحبت فعلياً من علمية السلام مع الفلسطينيين، وأن العرب تراجع اهتمامهم بالأمر في ظل خطـــر التهديدات الإيرانية، التي لم يبددها الاتفاق الدولي مع طهران. بل على العكس من ذلك فهم يعتبرون إيران الخطر الأكبر الذي يواجههم. وبالتالي ينبغي عدم تفويت هذه الفرصة. وأبلغ تعبير عن هذه القناعة جاء على لسان تسيفي هاوز سكرتير الحكومة الاسرائيلية بين عامي 2009 - 2013 وعبر صحيفة هآرتس، فقد قال: "... لا يوجد بديل للسيطرة الاسرائيلية على الجولان حتى على المدى البعيد". يجب إجراء عملية "تنسيق توقعات" مع المجتمع الدولي في شأن بدائل السيطرة على المنطقة الواقعة بين القنيطرة وبحيرة طبريا في رؤية شاملة لاستقرار المنطقة. لا بديل عن اسرائيل في الجولان. لا استقرار في المنطقة من خلال "داعش" أو "القاعدة" أو "النصرة" ولا من خلال إيران وحزب الله في هذا المحيط!!

اسرائيل ترفض الاتفاق مع إيران. وتبتز العالم وهي تعرف أن الاتفاق قد تم توقيعه وستكون له مفاعيل. ترفض لتكون الشريك المضارب ترفض رغم كل التطمينات والضمانات الأميركية والدولية لها، لأنها تريد أن تربح وتقبض الثمن. وتريد أن تربح أقصى ما يمكن أن تربحه. وحتى الآن ربحت الكثير. وتريد أكثر . 

العرب، راهنوا على أميركا. لم يضعوا بديلاً آخر. استكانوا. إطمأنوا. ويقولون اليوم إن أميركا خذلتهم. ويبحثون عن بدائل لا للربح بل لتحديد المخاطر والخسائر . هذا إذا عرفوا كيف أو نجحوا . 

أبرز سبب للتفوق الاسرائيلي والتمدّد أو الربح الإيراني، تفكك العرب في مرحلة، ورهاناتهم الخاطئة، وغيابهم اليوم وخراب دولهم!! (انتهى النص)

استمرت متابعتي للأمر بناءً لاستمرار وإصرار نتانياهو على تحقيق الهدف واعتباره الثمن الاستراتيجي الذي يريد الحصول عليه من خلال حركته على الأرض السورية ضد القوات الإيرانية وحلفائها الموجودة هناك!!

وفي كتابي الأخير، "الانهيار العربي"  كتبت في الصفحة 355 وبعنوان: "قريباً:  أسقطنا سيادة الجولان" في إطار استعداد حكومة الإرهاب الاسرائيلي الى إسقاط سيادة الجولان عن طاولة النقاش كما أسقطوا "القدس" بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبارها عاصمة أبدية لاسرائيل ونقله السفارة الأميركية إليها. ومنــذ أيـــــام - 14 آذار - وبعد زيارة السيناتور ليندسي غراهام الى الجولان برفقة نتانياهو وإعلانه ضرورة اتخاذ قرار بالموافقة على ضم الجولان الى اسرائيل والاستعداد الجاري في الكونغرس لإصدار قانون في هذا الاتجاه، وبعد بيان وزارة الخارجية الأميركية بتعديل تصنيف وضع الجولان من "أرض محتلة" من قبل اسرائيل، الى "أرض واقعة تحت سيطرة" اسرائيل، والتذرّع ب "حقوق الانسان"، واعتبرت أنها خطوة تمهيدية ليعلن الرئيس ترامب قراره بالموافقة على المطلب الاسرائيلي، ها نحن اليوم أمام حقيقة واضحة . بومبيو في اسرائيل. نتانياهو بعد لقائه يصل الى واشنطن، وقبل وصوله يستقبله ترامب بقرار أسود من البيت الأبيض يعلن فيه تبني أميركا للمطلب الاسرائيلي ويعتبر الجولان أرضاً اسرائيلية. وقد سبق ذلك سلسلة من التصريحات الأميركية - الاسرائيلية المشتركة تؤكد أن ليس هناك إمكانية لرؤية سوريا المستقبل والجولان جزءاً منها!!

إن هذا القرار الأسود الجديد هو من أسوأ وأخطر القرارات التي تعلنها أميركا في هذا الوقت بالذات. وهو لن يكون الأخير. ستكون تداعياته خطيرة جداً على مستوى المنطقة كلها. وإذا كانت أميركا واسرائيل تريدان فعلاً مواجهة إيران وحلفائها فهي بما فعلته قدمت هدية لها . ليس ثمة أحد في العالم قبل الخطوة  لأنها مناقضة للقرارات الدولية، ولشرعة حقوق الانسان، وسابقة تقدم عليها إدارة أميركية فالتة تفرض بالقوة وبالأمر الواقع خرائط جديدة على المنطقة، وتحدّد حدود دول وتنتهك أراضيها وحق أبنائها عليها . ألا يكفي ذلك ليتسلّح به كل من يريد مواجهة اسرائيل ليستمر في رفع لواء الدفاع عن "الحق" "والكرامة" "والسيادة"؟؟ أميركا لا تريد إلا تخريب المنطقة، ونهب ثرواتها ، وتثبيت اسرائيل دولة يهودية قوية بكل ما للكلمة من معنى. وبالتالي قد تلي هذه الخطوة، خطوة أخرى لضم الضفة الغربية لأن هذه الاسرائيل لا تريد دولة إلا في غزة تمتد الى سيناء، وثمة خطر كبير على مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلتين اللتين يمكن أن تذهبا مع الجولان في الحساب الأميركي - الاسرائيلي .

تزامن القرار مع إعلان تقرير مولر وتبرئة ترامب من التهم التي وجهت إليه. وللبحث صلة في هذا القرار الذي سيعزّز موقع الرجل ويدفعه الى قرارات أخرى متهورة كما ذكرنا !!
مقبلون على مواجهات ساخنة، وتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة، والعرب أدوات فيها وأرضهم ساحات مستباحة ولا يزالون ينظرون الى أميركا "الحليف" واسرائيل "الشريك" ولا يقرأون تداعيات ونتائج هذه السياسات المدمّرة، فقط يوزعون تحليلات التمنيات. وفي لبنان رأينا ونرى أمثلة على هذا النمط من التفكير مع كل زيارة لموفد أميركي، وكان آخرهم بومبيو!!

تحية الى أبناء الجولان المحتل الأحرار وأعانهم الله على الصبر والصمود.