عودة إلى صفحة إصلاحيّة مضيئة ومنسيّة: برنامج "الجبهة الإشتراكيّة الوطنيّة"

09 أيار 2021 10:37:12 - آخر تحديث: 21 أيار 2021 18:44:58

كثيرة هي المقترحات الإصلاحيّة في الأدبيّات السياسيّة اللبنانيّة وكثير هو التزاحم على تقديم إقتراحات القوانين التي تُدرج تحت هذا الشعار، إنما الهدف دائماً هو الإستهلاك الإعلامي والشعبي وليس العمل الحثيث لصياغة برنامج إصلاحي متكامل والضغط في إتجاه تطبيقه.  

أغلب الظن أن عدداً محدوداً من اللبنانيين، سواء هؤلاء الذين يتابعون الشأن العام أو أولئك من كبار السن الذين لا يزالون يتذكرون  حقبات تاريخية معينة، أو حتى الشباب والأجيال الطالعة؛ لا يعلمون الكثير عن البرنامج الاصلاحي الشامل الذي أطلقته  الجبهة الاشتراكية الوطنية في أيار 1951 أي قبل أشهر قليلة من اندلاع "الثورة البيضاء" وإسقاط الرئيس بشارة الخوري.

طبعاً، ليس المقصود من استحضار تلك الحقبة الهامة من تاريخ لبنان مجرد استذكار الماضي أو الوقوع في أسره، إنما المقصود الاضاءة على تجربة إصلاحية ناضجة  فكرّياً وسياسّياً وثقافّياً إنطلقت بعد سنوات قليلة على نيل الاستقلال الوطني سنة 1943 (أي بعد ثماني سنوات فقط) أدركت حجم الفساد الذي ينخر الدولة الفتيّة ومكامن الضعف في النظام الكفيل بتوليد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولمن لا يعرف تفاصيل تلك المرحلة، بلغ مستوى التنظيم في الجبهة الشهيرة مرحلة متقدمة وصلت الى وضع نظام داخلي لها لتحافظ على وحدة صفوفها وتتمكن من تحطيم الجدران التي انتصبت على المستوى الطائفي والمذهبي كما على المستوى السياسي والقضائي والاقتصادي.

لقد شكلّت تجربة الجبهة الاشتراكية الوطنية تجربة غنيّة على صعيد العمل السياسي  والجبهوي، ولو أن عمرها كان قصيراً بسبب انسحاب أحد أبرز أعضائها كميل شمعون عقب انتخابه  لرئاسة الجمهورية اللبنانية  سنة 1952  وعدم التزامه بمضمون البرنامج الاصلاحي لظروف واعتبارات سياسية عديدة.

للتذكير، ضمّت  الجبهة كلا من: كمال جنبلاط وأنور الخطيب (عن الحزب  التقدمي الاشتراكي)، بطرس إده وعبدالله الحاج (عن الكتلة الوطنية)، كميل شمعون، إميل البستاني، غسان تويني وديركران توسباط (مستقلين).

الأهم أن النظام الداخلي  فرض ضوابط على الأعضاء وألزمهم الوفاء لبرنامجهم  والتقيد بالعمل المشترك في صفوفها لا سيما في مجلس  النواب وعدم القبول بمناصب وزارية  قبل موافقة الجبهة وسوى  ذلك  من القرارات التي يمكن أن تؤثر على وحدتها ودورها الوطني والسياسي والبرلماني.

 ويحدّد البرنامج الأهداف بأنها "تقويم ما إعوّج من شؤون الدولة، والسير بها في طريق الاصلاح والتقدّم، ما يتطلّب إجراءات تتناول تطهير جهاز الدولة وتأمين تطبيق القوانين باخلاص وادراك وتجهيز البلاد بالقوانين والأنظمة والاجراءات الادارية اللازمة للسير في مراقي التقدم والعزة (...)".

يُضاف الى ذلك  أن البرنامج  حدد في بند "الأحكام  الدستورية العامة" ضرورة تعديل المادة التاسعة من الدستور توسلاً لإلغاء أنظمة الأحوال  الشخصية  وسن تشريع مدني  لجميع المواطنين على السواء". كما دعا الى "الغاء المادة 95، المتعلقة بتمثيل الطوائف في الوظائف العامة (...)".

ومن المقترحات الاصلاحية أيضاً خفض سن الاقتراع الى 18 سنة وجعل الانتخاب على أساس الدائرة الفردية دون التقيّد بالطائفية، وجعل الاقتراع إجبارياً في إطار أن يعتاد المواطن على تحمّل مسؤولياته وخياراته السياسية.

ويقترح البرنامج كذلك تعديل بعض المواد الدستورية المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية وتقييد سلطاته في حل مجلس النواب وتشكيل الحكومة وإقالتها وفي إبرام المعاهدات. وعلى مستوى القضاء، يدعو لتعديل القوانين بما يكرس استقلالية القضاء وتوسيع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى.

ويتعمق البرنامج في تقديم مقترحات تفصيلية عن التنظيم الاداري وجهاز الدولة، الدفاع الوطني، التنظيم المالي، التنظيم الاقتصادي، التنظيم الاجتماعي والتربوي والسياسة  الخارجية حيث دعا للسعي الى "تجديد  الجامعة العربية (أيضا بعد سنوات قليلة  من تأسيسها  سنة 1945) وجعل سياساتها أكثر إيجابية، ثم تدعيم العمل في نطاق ميثلق الجامعة بتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (إلغاء التأشيرات، حرية التبادل الزراعي والصناعي، تنسيق التشريع، تبادل البعثات  الدراسية والتدريسية، حرية انتقال المؤلفات والمنشورات").
 
من الواضح أن هذا البرنامج الاصلاحي الذي عملت على صياغته كوكبة من كبار الشخصيات المتنوعة شكل طرحاً متقدماً ونوعياً لو أتيحت الظروف السياسية لتطبيق أقسام قليلة منه لكان لبنان قد عبر نحو الدولة المرتجاة ولكانت أوضاعه قد اختلفت بشكل عميق.

صحيحٌ أن أحداً لا يستطيع العيش في الماضي، ولكن ثمة إرث سياسي وفكري كبير يمكن البناء عليه لإعادة استنهاض الواقع ودفعه نحو التغيير المنشود. إن مقارنة سريعة مع ما يجري اليوم على الساحة اللبنانيّة يؤكد صعوبة إعادة الإعتبار للعمل الجبهوي بسبب تغلب المصالح الفئويّة الخاصة لدى معظم الأطراف وفقدان الرؤية الوطنيّة والسياسيّة الشاملة التي يمكن النفاذ من خلالها لتحقيق تطلعات الشعب اللبناني لا سيما الشباب منهم الذين فقدوا الأمل بشكل كامل من الواقع الراهن المتردي بشكل غير مسبوق.