نقاش دستوري على ضفاف الانهيار اللبناني

03 أيار 2021 08:48:54

الوثيقة التي نشرها مجموعة من رجال القانون وخبراء في الدستور ومثقفين لبنانيين حول الخروقات الدستورية التي حصلت في عهد الرئيس ميشال عون، أثارت زوبعة من الردود، وأطلقت نقاشا واسعا، في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار مالي، واختناقات معيشية، وترهل كبير في أداء مؤسسات الدولة المكبلة بالفراغ الحكومي من جهة، وبالتدخلات السياسية بشؤونها من جهة ثانية.

لا يمكن إغفال مضمون الوثيقة التي دعت النواب للمباشرة بمساءلة الرئيس حول ما قالت إنه خرق لبنود في الدستور من خلال عدة قضايا، وأبرزها توقيف التشكيلات القضائية، وإقرار مرسوم تجنيس لمجموعة أشخاص من المتمولين أغلبهم من السوريين وليس لهم صلة بلبنان، وفي عدم إجراء الانتخابات الفرعية لبدائل عن النواب العشرة الذين استقالوا بعد انفجار المرفأ في 4 أغسطس 2020، وفي خروج الرئيس عن كونه حكما ويرأس مؤسسات الدولة، ولا يجوز أن يكون طرفا في أي نزاع سياسي، كالمطالبة بتسمية الوزراء، وهي مهمة النواب والكتل التي كفل لها الدستور التوازن والمناصفة في تركيبتها الطائفية، والرئيس لم يوقع على تشكيل الحكومة التي قدمها الرئيس المكلف بعد تشاور معه في 18 جلسة، وفقا للقواعد التي ينص عليها النظام البرلماني الديموقراطي الذي يعتمده دستور لبنان، حيث ان الحكومة هي المسؤولة أمام البرلمان، بينما رئيس الجمهورية لا يحاسب، ولا تبعة على أعماله، باستثناء ما نصت عليه المادة 60 من الدستور، التي أعطت الحق لثلثي أعضاء مجلس النواب إحالته الى المحاكمة بتهمة خرق الدستور او الخيانة العظمى، من دون أن تحدد هذه المادة توصيفا دقيقا لمفهوم خرق الدستور. والقاضي شكري صادر رئيس مجلس شورى الدولة السابق الذي وقع أيضا على الوثيقة المشار إليها، أكد ردا على مستشار الرئيس سليم جريصاتي: أنهم يفسرون الدستور بما يتناسب مع مصالحهم الخاصة، وليس وفقا لما تقتضيه مصلحة الأمة التي توافقت عليه بكل مكوناتها.

والمستشار الرئاسي والوزير السابق سليم جريصاتي اعتبر ما جاء في الوثيقة التي وقع عليها 72 من كبار القانونيين، هرطقة دستورية، واتهاما سياسيا لا يحمل أي قرائن على خرق الدستور، والتسليم بمندرجات الوثيقة، يعني تقويض صلاحيات رئيس الجمهورية، ومحاصرة الموقع وتكبيله بتفسيرات تقضي على الشراكة الوطنية في تولي السلطة. أما ردود السياسيين الآخرين الذين يدورون في فلك الرئيس، فلم تصل الى هذا الحد الذي وصل إليه جريصاتي في تفسيره لموقف الموقعين على الوثيقة، ولكنهم بطبيعة الحال لا يوافقون على اعتبار ما قام به الرئيس خرقا للدستور، ولا يوافقون على إحالته للمحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والذي لا يمكن مباشرة عمله القضائي إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهذه الغالبية يصعب الوصول إليها في حالة اتهام الرئيس، او حتى في إحالة أي من الرؤساء والوزراء الآخرين الى المحاكم، نظرا للفسيفساء الطائفية المتحركة التي يتشكل منها مجلس النواب.

اتهام الرئيس بخرق الدستور لم يقتصر على ما جاء في وثيقة رجال القانون، بل سبق أن أثير الموضوع في مناسبات سابقة، ومنها في 21 أكتوبر 2020 عندما وجه خطابا يعارض تسمية الرئيس سعد الحريري من دون أن يسميه، قبل يوم واحد من الاستشارات النيابية لتكليف رئيس جديد للحكومة، وهي الاستشارات التي تأخرت على غير العادة التي جرى عليها العرف الدستوري، بعد اعتذار مصطفى أديب عن التشكيل بسبب الضغوطات التي مورست عليه من قبل دوائر الحكم لكي يشكل حكومة سياسية وهو ما يتعارض مع المبادرة الفرنسية. وخطاب الرئيس هذا، ليس له محل في الدستور الذي نص فقط على حق الرئيس بتوجيه رسائل خطية إلى مجلس النواب بواسطة رئيسه عندما يرى ضرورة لذلك.

من المؤكد أن اختلالا دستوريا حصل من خلال اعتماد بعض الاجتهادات الغريبة، وهي أضرت بممارسات «الجماعة الحاكمة» كما سماها البطريرك بشارة الراعي، وكل ذلك ساهم في الانهيار الحاصل في البلاد. لكن المؤكد أيضا أن تفسير الدستور ليس من مهمة رجال القانون الذين وقعوا على الوثيقة، ولا من مهمة مستشار الرئيس، بل هي مهمة حصرية لمجلس النواب كما أشار بوضوح رئيسه نبيه بري.