الأول من أيار

02 أيار 2021 14:02:26 - آخر تحديث: 02 أيار 2021 14:07:15

بعد ست سنوات على إستقلال لبنان، خطا الزعيم كمال جنبلاط، خطوة جبارة. أعلن عن تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي، في الخامس من أيار العام1949. مواكبا إحتفالات عيد العمال، في بيروت وسائر المناطق اللبنانية. وملاقيا الطبقة العاملة كلها في طموحاتها الإنتاجية والسياسية. ومعلنا أمام اللبنانيين جميعا، موقفا سياسيا جديدا: أن الجبل تجاوز الزعامتية القديمة، في السياسة وأصول الحكم. وأنه إنضم إلى جميع اللبنانيين، في الخروج من عباءة الظلمة والقدامة، إلى  شرفات النور والحداثة.

أراد الزعيم التاريخي كمال جنبلاط، أن يقدم للبنان أعظم هدية: أن يضعه على السكة، بعد ضياعه منذ أول  ظهور الكيان، وبعد إضاعته ست سنوات من عمر الإستقلال.

بدا كمال جنبلاط رجلا مؤسساتيا. يريد أن يجعل المؤسسات تأخذ طريقها إلى لبنان، فلا يظل محكوما بالطوائف، ولا بالعائلات، ولا بالأشخاص الذين يقايضون بحقوق لبنان، في سوق العمالات والإرتهانات. 

كان لكمال جنبلاط من النضوج السياسي، ما جعله يؤسس على المعارضة قبل التأسيس على المولاة.

أراد الذهاب في الطريق الأصعب. أن يلاقي العمال والفلاحين وأصحاب الحرف ومختلف أنواع النقابات. لا أن ينضم إلى جوقة الحكم وأكلة الجبنة، وتجار المواقف. ولا إلى الإتجار بالطوائف. ولا الإتجار بالسياسات، ولا إلى الإتجار بالرئاسات.

كان كمال جنبلاط رجلا تنويريا. ما أغرته الطوائفية في شيء. ولا أغرته البكوية في شيء. ولا أغرته العائلية في شيء. ولا أغراه دست الحكم في شيء.

بنى مواقفه كلها، منذ أزمع تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي على الزهد. وإنضم إلى صفوف الجماهير، كواحد منهم. إنضم إلى صفوف الكادحين، كواحد منهم. إنضم إلى صفوف المتنورين، رائدا بينهم. على قاعدة من ذلك: "إن الرائد لا يخذل أهله." إنضم إلى صفوف العمال. إلى صفوف الثائرين.

كان إعلان كمال جنبلاط عن تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي، حدثا بحد ذاته، في طول البلاد وعرضها.

رجلا مثله، ينقلب على إرثه. يخلع ثوب الإقطاع السياسي عن كاهله، ويتقدم نحو الشعب بيديه،  صفر اليدين، منضما إلى آلامهم، منضما إلى طموحاتهم، معاهدا إياهم، على النضال في صفوفهم كواحد منهم.  مدافعا عن حقوقهم. يشق لهم درب المعارضة، حتى تستقيم البلاد، وحتى تسترشد الرئاسات، وحتى تخلع الإدارات ثوب العبودية، وتلتحق بصفوف الشعب، وتعمل لأجلهم، لا للأسياد القابعين في دست الحكم، منذ أول الدهر.

كان من السهل على المؤسس كمال جنبلاط، أن يسير في الطريق السهل. لكنه إختار الطريق الصعب. 

أراد أن يشق طريقا، وجد فيه حاجة حداثوية للبنان، حتى ينهض بين الأمم الناهضة بشعبها. لا أن يظل البلد خانعا مخذولا، تتحكم في مصيره شلل الإقطاع، وشلل الطوائف، والشلل الإنتهازية.

 تعهد كمال جنبلاط، تثوير الحياة السياسية في لبنان. حتى يجعله في مصاف الدول المتقدمة. حتى يجعله في صف الدول التي تحافظ على مال الشعب. وعلى كرامة الشعب. وعلى العدالة بين صفوف الشعب. حتى يحافظ على سيادته على أرضه. وحتى تعمل آلة الحكم فيه، وفق شروط الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية. وفق شروط الرغيف للجميع. والكتاب للجميع. والقميص للجميع. 

 وجد الزعيم كمال جنبلاط بنظرته الثورية التنويرية الثاقبة، أن بناء الأوطان، من بناء المعارضة، بعد قيام الحكم فيه وقيام السلطات. ولهذا ذهب لبناء الجناح الذي ينقصه: أن يكون للشعب جناح من  المعارضة الثورية التنويرية، الذي يعيد التوازن في مسيرة التحليق نحو الأعالي، إذا ما أخذ الوطن على عاتقه، طريقه للتقدم والتحليق.

إن تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي، في برهة ولادته المبكرة، مع ولادة الإستقلال، إنما كان يعبر عن رؤيا كمال جنبلاط، لوطن يريد له، أن يأخذ طريقه إلى النور، لا أن يظل قابعا في الغرف المظلمة، التي ترخي عليه كل يوم، سدول العتمة والديجور. 

في الأول من أيار هذا العام، يتجدد الأمل للمرة الثانية والسبعين، بأن يتحقق حلم القائد والزعيم التاريخي، كمال جنبلاط، بنهوض لبنان من بئر الأزمات الذي أنزل فيها، لأجل الإطباق على فلسطين، إطباقا كاملا. 

 وها هي معركة تهويد كامل تراب القدس، تشق طريقها. تواكب صفقة القرن. بعد تهويد كامل التراب الفلسطيني. وها هي معركة حقول النفط، في عمق البحر، تجعل لبنان رهينة التسويات المشبوهة. وها هو لبنان، يدفع من جديد، ضريبة الجوار لحملات التهويد المتجددة.

في الذكرى الثانية والسبعين، لولادة الحزب التقدمي الإشتراكي، إنما نعيد إحياء الأمل في النفوس، تحت قيادة رئيس الحزب:وليد جنبلاط، برؤية لبنان يتجاوز أزماته وينتصر عليها. فالقيادة الحكيمة، لا زالت ترفع الراية في اليد الأمينة. والجيل الثوري المتجدد بقيادة النائب  تيمور جنبلاط، لمما يشد الأزر، ويرص الصفوف، ويجعل الشعلة المضيئة التي أنارها الزعيم التاريخي كمال جنبلاط، في مثل هذا اليوم، شعلة نور وحرية وعدالة وكرامة. شعلة حياة ديمقراطية. شعلة لبنان المتنور الثوري، الذي يشق دربه، للخروج من الغرف المظلمة، أجيالا وراء أجيال.


*أستاذ في الجامعة اللبنانية