مصرف لبنان: حتّى ترشيد الدعم لم يعد ممكناً

30 نيسان 2021 08:11:08 - آخر تحديث: 30 نيسان 2021 11:34:54

طوال الأشهر الماضية، كان الحديث يدور حول اقتراب الدخول في مرحلة ترشيد الدعم، أي مرحلة خفضه تدريجيّاً وفق أولويّات معيّنة، مع اعتماد البطاقة التمويليّة لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وطوال هذه الأشهر، لم تقدِم الحكومة على بتّ هذه المسألة، مفضّلةً ترك هذا اللغم الخطر للحكومة القادمة. اليوم، تكشف أرقام مصرف لبنان الأخيرة أنّ ترشيد الدعم نفسه، كما تخطّط الحكومة، لم يعد ممكناً، بعدما تراجعت الاحتياطات القابلة للاستخدام إلى مستويات لا تترك لمصرف لبنان أيّ هامش للتدخّل لأكثر من بضعة أسابيع. هذا بالتأكيد إذا افترضنا أنّ المس بالاحتياطات الإلزاميّة المودعة لدى مصرف لبنان، وهي آخر ما تبقّى من أموال المودعين في النظام المصرفي، هو مسألة مرفوضة من قبل الجميع حاليّاً. ولعلّ هذا التطوّر، تحديداً، هو ما أجّج الحديث عن رفع الدعم اليوم.

آخر ميزانيّات القطاع المصرفي المجمّعة، تظهر أنّ مجموع الودائع الموجودة في القطاع حاليّاً بالعملات الأجنبيّة تبلغ نحو 110.23 مليار دولار، موزّعةً ما بين 85.22 مليار دولار أودعها المقيمون في لبنان، ونحو 25.01 مليار دولار لغير المقيمين. وبذلك، يكون مجموع الاحتياطات الإلزاميّة، التي ينبغي الحفاظ عليها في المصرف المركزي، وممنوعٌ المسّ بها تحت أيّ ظرف، نحو 16.53 مليار دولار. يُشار إلى أنّ تعاميم مصرف لبنان حدّدت نسبة الاحتياط الإلزامي هذه، التي يُفترض أن تودع لدى المصرف المركزي ضمانةً للمودعين، بـ15% من إجمالي الودائع الموجودة لدى المصارف بالعملات الأجنبيّة. ويصرّ مصرف لبنان حتّى اللحظة على عدم استعمال هذه الاحتياطات في عمليات تمويل الاستيراد ودعمه، معتبراً أنّ المساس بهذه الاحتياطات سيؤدّي إلى مخاطر قانونيّة كبيرة على المصرف، لكونه فرض على المصارف التجاريّة إيداع هذه المبالغ لديه ليحفظ حقوق أصحاب الودائع لا ليبدّدها في عمليات الدعم. 

في المقابل، تظهر الميزانيّة نصف الشهريّة، التي نشرها مصرف لبنان في منتصف شهر نيسان، أنّ مجمل ما تبقّى من موجودات خارجيّة بالعملة الصعبة لا يتخطّى مستوى 21.9 مليار دولار، من بينها نحو 5 مليارات دولار هي عبارة عن سندات يوروبوند يحملها المصرف ولا يمكن تسييلها، فيكون مستوى الاحتياطات المتبقّية بيد المصرف بالعملة الأجنبيّة 16.9 مليار دولار فقط.

المسألة واضحة إذاً: يملك مصرف لبنان 16.9 مليار دولار من الاحتياطات السائلة بالعملة الأجنبيّة، بينما لا يمكنه المسّ بنحو 16.53 مليار دولار منها (الاحتياطات الإلزامية)، وهو ما يعني أنّ مستوى السيولة القابل للاستخدام حاليّاً لا يتجاوز حدود 370 مليون دولار، وهي قيمة بالكاد تكفي للدعم لنحو شهر وفقاً لوتيرة استنزاف الاحتياطات الحاليّة. وبالإضافة إلى دعم الاستيراد، هناك ما يقارب 200 مليون دولار وافق مجلس النواب على إعطائها لمؤسسة كهرباء لبنان سلفةً لشراء الفيول، في حين أنّ هذه المستويات من السيولة الموجودة لدى مصرف لبنان لا تبشّر بقدرة المصرف على توفير هذه الأموال بالعملة الصعبة للمؤسّسة، إلا إذا كان المطلوب سحب هذا المبلغ من الاحتياطات الإلزاميّة.

هذه الأرقام المقلقة هي، تحديداً، ما دفع نقيب المحامين إلى التدخّل في مسألة الدولارات المتبقّية في مصرف لبنان، إذ يبدو من مضمون مراسلات النقيب مع جمعيّة المصارف ومصرف لبنان وبياناته الإعلاميّة أنّه استشعر إمكان المسّ بالاحتياط الإلزامي لتمويل عقود القطاع العام، خصوصاً بعدما وافق مجلس النواب على سلفة الكهرباء الأخيرة. ولذلك شدّدت جميع هذه المراسلات على عدم إمكان استعمال هذا الاحتياط في غير غاياته، التي لا تشمل حكماً تمويل القطاع العام. ومن باب العلم فإنّ تدخّل النقابة، بهذا الشكل، فرض ثقلاً قانونيّاً إضافيّاً على مصرف لبنان، سيلجمه خلال الفترة المقبلة عن المسّ بهذه الاحتياطات، خصوصاً أنّ حاكم المصرف نفسه متوجّس أساساً من المخاطر القانونيّة، التي تلحق به على المستوى الدولي إذا أقدم على خطوة كهذه، والتي قد تؤثّر على ودائع مصرف لبنان لدى المصارف المراسلة.

بدا نقيب المحامين مدركاً لحساسيّة وضع مصرف لبنان على المستوى الدولي، ولذلك لعب على هذا الوتر بالتحديد حين طالب جمعيّة المصارف باتّخاذ الإجراءات القانونيّة مع المصارف المراسلة التي يتعامل معها مصرف لبنان، لمنع المصرف المركزي من التصرّف بالاحتياطات الإلزاميّة المودعة لديه، والموجودة لدى هذه المصارف المراسلة. وهنا تشير مصادر مصرفيّة لـ"أساس" إلى أنّ النقيب يدرك، على نحو مؤكّد، طبيعة علاقة المصارف مع مصرف لبنان، وخضوعها لتعاميمه وقراراته في جميع علاقاتها في لبنان والخارج، وعدم واقعيّة قيامها بتصعيد قانوني كهذا في وجه المصرف المركزي. لكن يبدو أن النقيب أراد من هذه الفكرة توجيه رسالة إلى حاكم مصرف لبنان، تذكّره بالعواقب القانونيّة التي يمكن أن تنشأ في الخارج نتيجة أي مسّ بالاحتياطات الإلزاميّة. مع علمه أن ّهذا النوع من التصعيد القانوني يمكنه أن يتمّ من خلال المودعين لا المصارف.

العامل الإضافي الآخر، الذي فرض نفسه خلال هذه الفترة، كان ما نقلته رابطة المودعين عن المدير الإقليمي للبنك الدولي ساروج كومار حجا، لجهة قرار المؤسسة الدوليّة النهائي القاضي بتوزيع القرض المخصّص للعائلات الأكثر فقراً بالدولار الأميركي، بخلاف الصيغة التي كان يريدها مصرف لبنان وقضت بتوزيعها بالليرة اللبنانيّة مقابل حصول المصرف المركزي على دولارات القرض. ويتّجه البنك الدولي والاتّحاد الأوروبي إلى قرار مماثل يرتبط بالمساعدات المخصّصة للاجئين السوريين. وبذلك يكون مصرف لبنان قد فقد آخر مصادر الدولار الطازج التي راهن عليها للحصول على العملة الصعبة المطلوبة لإطالة فترة الدعم، فتكون النتيجة زيادة الضغط على احتياطاته المتبقّية.

لكلّ هذه الأسباب دخل الجميع في لعبة تقاذف المسؤوليات طوال الفترة الماضية: مصرف لبنان طلب من وزارة المال التوصّل إلى حلول بديلة مع اقتراب نفاد الاحتياطات القابلة للاستخدام، ومصادر وزارة المال تؤكّد أنّ الوزير يعتبر أنّ الحلول من مسؤوليّة مجلس الوزراء مجتمعاً لا الوزارة وحدها، أمّا رئيس الحكومة فيرفض حسم الخيارات باعتباره رئيس حكومة تصريف أعمال لا تملك صلاحية الخوض في قرارات مصيريّة من هذا النوع. ورفض مجلس النواب، بدوره، الحسم، معتبراً أنّ على السلطة التنفيذيّة أن تطرح سيناريو واحداً بتصوّر متكامل قبل بتّ الملفّ.

كل هذا يقودنا إلى استنتاج وحيد: لا أحد يريد حمل كرة النار. أمّا النتيجة فهي استنفاد الاحتياطات القابلة للاستخدام حتّى الدولار الأخير خلال الأسابيع القليلة المقبلة، والوصول إلى مرحلة توقّف الدعم المفاجىء، من دون ترشيده أو التدرّج في رفع هذا الدعم، ومن دون إقرار شبكات حماية اجتماعيّة مدروسة تقي الفئات الأضعف من آثار هذه المرحلة. بمعنى آخر، ستكون مرحلة الارتطام السريع والمؤلم.