"الدولة العلمانية".. المدخل إلى خلاص لبنان

علاء لؤي حسن |

كتب كمال جنبلاط في إفتتاحية لجريدة الأنباء في 25/6/1960:" نحلم بأن تصبح هذه الدولة دولة مدنية، لا دولة مار مارون، ولا النبي محمد، وطبعاً لا دولة الحاكم بأمر الله ! فترفع هذه المفاهيم الضيقة من النصوص ومن النفوس بجرأة حاكم حازم لا يأبه بأقوال الجهلاء، وبنصائح بعض رجال الدين، وبآراء بعض المنظمات والشخصيات الطائفية، بل بما يشير عليه ضميره وروح العدل في نفسه".

ففي ظل أزمة النظام التي نعيشها، يكمن حبل الخلاص في العودة لمبادئ وأفكار كمال جنبلاط والتأمل في لبنان الذي أراده وما زلنا نريده حتى يومنا هذا. فعندما ننظر الى حروب الجوار العبثية والمذهبية وإلى الانقسامات الطائفية في الداخل ندرك جيداً كم نحن بحاجة الى ذاك المفكر والفيلسوف الذي سعى وناضل في سبيل بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية تصون الحقوق والحريات وتضمن العلم والعمل والصحة للجميع.

الدولة المدنية التي نصبو إليها هي التي تعطي فرصاً متساوية لجميع أبنائها في الحقوق والواجبات بصرف النظرعن انتمائه الديني، وهذا يتماشى مع جوهر الدين الذي يقوم على مبدأ المساواة أمام الخالق. "الخلق عيال الله" كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. وإنطلاقاً من ذلك فإن الردود السلبية التي جاءت حول موضوع الزواج المدني مؤخراً إنما تخالف هذا الجوهر. من هنا ومن غيره تصبح الحاجة ملحة للعودة إلى فكر كمال جنبلاط كما بدأنا. تُرى أي عقل يقبل ونحن في القرن 21 أن تكون المناصب والمواقع موزعة على أساس مذهبي وعلى المعيار الرقمي لتعداد سكان هذا المذهب او ذاك!!. لا بد من فصل الطائفة عن الدولة كما طرح كمال جنبلاط ذلك قبل نصف قرن ونيف وهذا يقودنا بالتالي لإعطاء كل مواطن حقه في الوصول الى أي منصب طالما تتوفر فيه الشروط الموضوعية. بينما في لبنان تبدأ الأحقية في الرئاسات من الإنتماء الطائفي بل حتى المذهبي وليس على الكفاءة والخبرة!! بمعنى آخر هناك مواطنون درجة اولى وما سواهم درجة ثانية! يا لتخلفنا!. فكيف وهذا مخالف لشرعة حقوق الإنسان التي تستند إليها  كل الدساتير المعاصر فلسفةً وروحاً ونصوصاً. لكن ومن جهة أخرى فإن إلغاء الطائفية السياسية قد يصل بالممارسة إلى فوضى ما لم يسبقه برنامج وطني يرمي الى توعية الشعب والبداية من الثقافة، ومن توحيد بعض المناهج ذات الصلة مثل التربية المدنية بل لا بد من استحداث مناهج تعليمية تعيد صياغة عقل الأجيال ، مثل التربية الأخلاقية ، والتربية السياسية ، إذ أن أي إصلاح حقيقي وجدي يجب أن يترافق مع مسار فكري طويل مستند على العقل والعلم. 

إنه لمن السذاجة أو العبثية الإعتقاد بان القوة هي السبيل للتغير. فالتغير ليس قراراً فوقياً بل هو حصيلة نمو وتطور مجتمعي. ولقد برهنت (ثورات) الخمسينات والستينات في عالمنا العربي أن ما انجزته في أحسن حالاتها كان تطورا شكلياً لم يمسس النسيج الثقافي للمجتمعات. والدليل أن الشعوب التي اضطرها الظلم فيما بعد للإنتفاض على واقعها، وبما أطلق علية "الربيع العربي"!، لم تستطع أن ترتقي بانتفاضاتها إلى مستوى الثورة حيث وقعت في شرك العصبيات الإثنية على أنواعها مما أفقدها مناعتها وجعلها نهباً للتطرف والإرهاب ما أدى إلى تجويف محتواها من القيم والشعارات التي رفعتها.

إن العبور نحو الدولة المدنية بما تعنيه العبارة من مضامين يجب أن يتم بالطرق الديمقراطية، ولا يمكن فصل هذا عن النضال من أجل مكافحة الفقر والفساد، وأعتقد بان البعد الإقتصادي لا ينفصل عن موضوعة الدولة المدنية، بل أنه يصلح لأن يكون حاملاً لها، فالفساد لا يميز وهو عابر للطوائف كذلك الإقتصاد.

بقي ان نلفت إلى مسألة ملتبسة في بعض العقول  وهي أن العلمانية على طرف نقيض مع الأديان. هذه دعاية يروج لها بعض رجال الدين للإساءة للفكرة وجعلها غير مقبولة عند العامة من الناس. فيما العلمانية  نظام تحكمه القوانين والدستور الذي ارتضاه أبناء المجتمع فيما يسمى "العقد الإجتماعي"، ومن هنا يصبح الدين مسلك أو اجتهاد شخصي. أو كما قال كمال جنبلاط سعي للوصول إلى الحقيقة. وانطلاقا من قدسية الحرية لا يمكن للدولة المدنية بحكم فلسفة كينونتها أن تتنكر لذلك باعتباره جزء من منظومة القيم للمجتمع او بعضه..

لقد آن الوقت للقوى المجتمعية الحية في لبنان ملامسة المفاصل التي تضع لبنان على سكة الدولة المدنية غير الطائفية، دولة المواطنة وحسب، حيث المساواة وتكافؤ الفرص. وأحسب أن في بلدنا من الطاقات والإمكانيات ما يدعوا للتفاؤل، وهنا أشد على يد الوزيرة ريا الحسن على جرأتها في طرح موضوع الزواج المدني الإختياري بوصفه خياراً حراً.

لعل النظر في نصوص الأديان يحمل الدليل على أنها لا تباعد بين البشر. المشكلة تكمن فيمن صادر النصوص وفسرها على أهوائه محولاً مدينة الرب إلى معابد صنمية لينصبوا من انفسهم (حراساً للهيكل).