في التداعيات الكارثية لرفض التسوية لبنان يفقد أكثر من 1200 طبيب.. لم نعد "مستشفى الشرق"

26 نيسان 2021 16:39:38

من "مستشفى الشرق" إلى مقبرة الأحلام دُر. لم يتخيّل اللبناني يوماً الذي يقطن في بلدٍ عُرف بـ"مستشفى الشرق"، أن يكون مهدداً بإحتمال غياب قدرة المستشفيات في لبنان على القيام ببعض العمليات الجراحية الدقيقة، وإضطراره إلى اللجوء لدولٍ مجاورة لإجراء المقتضى الطبّي، بعد أن كان وطنه السبّاق في إطلاق السياحة العلاجية منذ سنوات، وإستقطاب أبناء الوطن العربي بأسره للإستشفاء.

واقع القطاع الطبي تراجع كثيراً كحال غيره من القطاعات، بعدما أنهكته معركة فيروس كورونا، بالإضافة إلى الأزمة الإقتصادية التي يفاقمها إمعان الأفرقاء المعنيين في رفض التسوية كخيار وحيد لقيام حكومة قادرة على بدء مسار وقف الانهيار. وبفعل كل ذلك استقل مركب الهجرة آلاف الشباب في سبيل إيجاد فرص أفضل عجِز وطنهم الأم عن تأمينها لهم، وطال طبعاً الأطباء والاختصاصيين الذين يغادرون لبنان بالمئات والأعداد مرشحة للارتفاع، لا سيما اذا استمرت الأزمة السياسية التي باتت تشكل مصدر كل الأزمات الأخرى. 

هذا الواقع المرير في القطاع الطبي كان تنبّه إليه باكراً رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط في سياق استشرافه لكل الأزمات التي حذّر منها مراراً، ولأجل منع تفاقمها طالب ولا يزال بالتسوية سبيلاً للخروج من كل ذلك.

نقيب الأطباء شرف أبو شرف يروي لجريدة "الأنباء" الإلكترونية المصاعب التي يواجهها القطاع إثر هجرة أكثر من 1200 طبيب، معظمهم من ذوي الكفاءات العالية والإختصاصات المميزة والمطلوبة، "فالقدرات الطبية ستتراجع، والمستشفيات ستكون عاجزة عن القيام بعدد من العمليات في حال لم يعد يتوفر أطباء إختصاصيون للقيام بها، ورغم إنخراط بعض الخريجين الجُدد في سوق العمل إلّا أن إفتقارهم للخبرات الكافية يحول دون التعويض عن خسارة الأطباء".

ويتابع أبو شرف: "أعداد الأطباء المهاجرين من المتوقع أن ترتفع مع الوقت بسبب إشتداد الأزمات وغياب أي تحفيزات تشجعهم على البقاء وتساعدهم على الصمود، فحقوقهم مهدورة، والتعرفة باتت هزيلة، كما أن أمنهم الشخصي أصبح بخطر بعد الحوادث الأمنية التي شهدناها على أبواب المستشفيات والتعرض للأطباء، في حين وجب تأمين الحد الادنى من العيش الكريم لهم".

ويشدد أبو شرف على ضرورة الإلتفات إلى القطاع لمتابعة الملفات الضرورية والملحّة في سبيل الحفاظ على الأطباء في لبنان، "كتوفير الحماية القانونية لهم بوجه أي إعتداء يتعرضون له، والعمل على تحصينهم إجتماعياً من خلال منحهم الضمان الصحي بعد التقاعد ودفع المستحقات في مواعيدها المحددة، خصوصاً تلك المتعلقة بوزارة الصحة أو مؤسسة الضمان الإجتماعي، بالإضافة إلى رفع التعرفة الهزيلة، فعمر التعرفة الحالية يناهز الـ15 عاماً، وبالتالي يجب تحديثها لتراعي إرتفاع الأسعار، وإلّا سيتخلف الأطباء عن آداء مهامهم لغياب المحفزات".

ويختم أبو شرف حديثه مستغرباً غياب التجاوب من قبل المعنيين والمسؤولين رغم المحاولات الحثيثة من النقابة للعمل، معتبراً انه من "المعيب تأمين فرص عمل للأطباء في العراق في حين أن للبنان الأولوية ويُفترض المحافظة عليهم داخل وطنهم".

هكذا إذا بات واقع مختلف القطاعات في لبنان، هجرةٌ للإختصاصيين وإفتقادٌ للمواد الأولية والتشغيلية، وتراجع التقنيات، وجميعها عوامل تُنبئ بتراجع كل شيء في لبنان. فهل يستمر غياب حس المسؤولية عند المعنيين الذين يتمترسون خلف الشروط والشروط المضادة، ويبتدعون الشعارات الوهمية لخوض المعارك الشخصية والفئوية، فيما يخسر لبنان واللبنانيين آخر الفرص للنهوض وإستراجع الدور الريادي الذي لطالما تميّز به وطنهم؟

تابعوا هذا التقرير المصوّر عن واقع القطاع الطبي في هذه المرحلة الحرجة، من إعداد محطة BBC يعكس فقدان معظم الأطباء في لبنان الرغبة بالبقاء والتفكير بالهجرة اليوم قبل الغد.