المشهد السوري... مؤشرات مُقلِقة

26 نيسان 2021 13:39:58

من أكبر الإخفاقات التي أصابت المجتمع الدولي، في هذا الزمن الكالح الذي تعيشه البشرية جمعاء، كان العجز عن إيجاد الحلول المناسبة لتسوية المعضلة السورية، وتوقيف المأساة التي يعيشها السوريون، والتي وصفها البابا فرنسيس بأنها من أكبر مظلوميات القرن.

ويتحمل قادة الدول الكبرى والمؤثرة، كما الجامعة العربية ومؤتمر الدول الإسلامية، مسؤولية تاريخية كبرى عن ما يحصل. فالمشهد السوري مُخيف بكل معنى الكلمة، وتجاوز التعقيدات التي تحيط به كل الحدود. وقد كشفت الكارثة السياسية والعسكرية والإنسانية الحاصلة الاختلال في العلاقات الدولية، والمستوى المتدني الذي وصل اليه النظام الدولي، بحيث تجاوز الموضوع صراعات النفوذ بين الدول الكبرى إلى حدود التآمر على استقلال الدول العربية، وأصبح الشعب السوري بكامله ضحية، ويتعرض لإبادة تُشبه ما حصل مع الشعب الأرمني منذ أكثر من مئة عام، ومع شعب فلسطين قبل 72 سنة.

وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 للعام 2015، ومعه مندرجات اتفاقيات جنيف1، وجنيف2، وتوافقات أستانة، وعشرات الاجتماعات التي عقدتها لجنة صياغة الدستور في جنيف كلها، لم تُعدِّل قيد أنملة من رؤى القوى التي تتحكَّم بالواقع على أرض المعركة. فقد قرّر مجلس الشعب في سوريا (وهو لا يحظى باعتراف المجتمع الدولي) إجراء الانتخابات الرئاسية في 20 أيار/ مايو 2021، وفتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية. وقد توضَّح فور إعلان القرار عن المجلس أن الرئيس بشار الأسد، ومعه مجموعة من الأسماء التي تُستخدم للتمويه الديمقراطي، جهّزت أوراقها للترشُّح قبل صدور ذلك القرار. والدستور السوري، المعمول به منذ العام 2012، بدا وكأنه أُنتج لخدمة هذه اللحظة السياسية الحاسمة. وإذا كان قد نصَّ في المادة 88 منه على عدم جواز ترشُّح شخص واحد لأكثر من ولايتين رئاسيّتين، لكنّه أعقب تلك القاعدة باستثناء الرئيس بشار الأسد من هذا الشرط. ولم يحصل في أي دستور في العالم أن تضمَّن استثناءات ذات طابع شخصي، حتى أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أنقذ الأسد ومنع سقوط نظامه، عجز عن تمرير هذا الاستثناء لشخصه في الدستور الروسي، مما اضطره لتعديل الدستور برمّته، لكي يضمن استمرار مشروعية ترشيحه لولايتين قادمتين. كما أن شرط إقامة المرشّح في سوريا خلال العشر سنوات التي تسبق الانتخابات، هو تهشيلٌ دستوريٌ لكل القادرين على المنافسة. وأهون عملية اليوم في سوريا هي إبعاد المعارضين أو المنافسين إلى خارج البلاد، حيث أن أكثر من 13,5 مليون سوري (أي ما يزيد عن نصف عدد السكان) نازحون خارج البلاد.

إنّ قرار إجراء الانتخابات على هذه الشاكلة يعني التصميم على إبقاء الوضع في سوريا من دون حل. والبديهي أنّه لا يمكن إنتاج حلٍ من دون توفير حرية، وإجراء انتخابات رئاسية بإشراف الأمم المتحدة، وذلك وفقاً لآخر كلام قاله المعارض السوري الأبرز، ميشال كيلو، الذي توفيَ منتصف نيسان 2021 في منفاه الباريسي، لأنّ المجتمع الدولي برمّته لا يعترف بمشروعية الانتخابات الصورية التي ستجري، وهؤلاء يطالبون بمحاكمة الأسد أمام محاكم دولية ووطنية بتهمة ارتكاب جرائم حرب واغتيالات في لبنان وفي سوريا، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة ضد المدنيين، وفقاً لما قاله مطلع الشهر الحالي وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان أمام الجمعية الوطنية الفرنسية. 

حتى أن كتَّاب وقادة مقربون من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يهاجمون الأسد في كتاباتهم، ويعتبرونه غير مؤهل لقيادة البلاد. إلّا أن الحسابات الروسية الرسمية تمسكت بالأسد، لأن قادة العالم أجمع، بما فيهم قادة عرب، لم يطلبوا من روسيا إزاحته، أو لم يدفعوا ثمناً سياسياً مقابل ذلك على أقل تقدير، وبالتالي فإن روسيا لن تحرق هذه الورقة مجاناً، ومن دون أي ثمن، خصوصاً وأن إيران وإسرائيل تبدوان الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان تتمسكان ببقاء الأسد. وروسيا يهمها أن تحافظ على علاقات جيدة مع الدولتين، برغم أن أي شخصية أُخرى في قيادة سوريا قادرة على ضمان مصالح روسيا في البلاد مثل الأسد أو أكثر، وروسيا على صداقة مع شخصيات عديدة قادرة على المنافسة على الموقع من داخل النظام أو من خارجه.

والملامة تقع على المجتمع الدولي بإبقاء المآساة على ما هي عليه كبيرةٌ جداً. والشعب السوري يشعر بامتعاض لأن العقوبات الأميركية التي فُرضت على النظام بواسطة قانون قيصر وقانون ماغنتسكي، طالت المواطنين أكثر مما طالت قادة النظام، وقد ساهمت بتفاقُم الكارثة الاقتصادية والمالية في سوريا وفي لبنان، ولم يرف جفن لأي من المسؤولين، بل على العكس من ذلك، فإنّ القوى الموالية لإيران وللنظام تستغل هذه العقوبات لتقديم بعض الفتات للسوريين الذين يبحثون بلهفة عن الطعام، وعن المحروقات، وعن الدواء، وهم جاهزون لقبول الحصول عليها من أي جهة يمكن أن توفرها لهم. كما أن الفساد والتهريب انتشر على شاكلة واسعة بسبب هذه العقوبات على حدود البلاد الغربية مع لبنان، وعلى الحدود الشرقية الفالتة عبر العراق إلى ايران، والميليشيات المناطقية المتنوعة انتشرت في كل المحافظات التي يسيطر عليها النظام، وهي تفرض الخوات، وتستبدّ بتوزيع المعونات وفقاً لأهوائها.

المشهد السوري قاتم ومُقلق، والمؤشرات المرتقبة تبدو أنها ستساهم في إطالة حدَّة الكارثة المهولة، والتي لم يسبق لشعب أن تحمل مثل قسوتها لفترة طويلة، كما حصل مع الشعب العربي السوري الجبار.