غرق الحضارات

25 نيسان 2021 18:39:30 - آخر تحديث: 25 نيسان 2021 19:52:11

مثلما لا يقدر المشغولون بتأمين قوت يومهم الوصول الى كنه ذواتهم واكتشاف مباهج المعرفة، يبدو الاولاد الذين تربوا في ترف كبير اقرب الى النباتات في توهج وعيهم. وفي حين أن الخلاصات الكبرى لا يمكن الوصول اليها الا بما وراء الفكر، مما يجعل اهم المفكرين في آخر رحلاتهم شديدي التواضع أو الجنون، يحتاج العالم الى من يشحذون روحه ببحثهم المشتعل عن الحقيقة وتعطشهم لها.

أمين معلوف هو احد هؤلاء الذين انشغلوا في صيد الحقائق ومعرفة البدايات وتحليل التاريخ بحذر شديد، جاهدا لاظهار وجها مشرقا لماضٍ بات مسحوقا تحت حاضر رابض بكل مساخته  فوق هذه البلاد التي ولدته واطلقته في العالم. هو مؤمن بأن الشرور والمصائب امور طارئة تصيبنا فرادى او جماعات وأنّ لهذا الانحراف عن المسار الصحيح أسبابه. يبحث عن الحدث الأبرز الذي سبب الصدمة الأولى التي جرّت وراءها التخبطات والصدمات المتلاحقة. 

يشدّد على تذكير المريض بأنّه يوما ما لم يكن مريضا. انها بداية العلاج عندما تعلم بأنك لست أسير الأقدار المحتومة، وانت لست الصورة التي تظن انها صورتك لشدّة ما التصقت بها. وبأنك كشعب سرت يوما نحو الحداثة مثل باقي الشعوب الاخرى، وكانت احلامك كأحلامها. أوكيف أنّ قادة اكبر الاحزاب، وان لم تفلح، كانوا يوما  ممن يسمّون اليوم اقليات توضع على جنب ويلُقى لها بالفتات. 

اذا كان التعثّر الأول يولّد ارتباكا ويأساً، فإنه يولّد في الوقت نفسه رغبة الامساك مجددا بزمام الأمور والتغلّب على الغلبة وقهرها بالفوز. ولكن ماذا لو كنت قد مُنيت بغلبة دائمة لم يعقبها اي نصر. حينها تكون قد اصبت باللعنة فعليا. 

يرى معلوف بأن نكسة 1967 افقدت الشعوب العربية الثقة بالنفس وبامكانية النهوض مرة اخرى، ولا يغفل عن دور دول عديدة في هذا الاطباق عليها حتى تلاشت فيها اي شذرات نمو. هذا مع انه يُحمّلها نفسها مسؤولية النهوض بنفسها، راصدا عدة دول اخرى استطاعت التعالي فوق هزائمها اذا لم يكن بالقوة العسكرية، بالنجاح الاقتصادي. 

يبدو معلوف متعبا لكثرة ما غاص في ماضي الشرق المشرق وحاول اخراجه من العتمة ليُري الغرب بأننا لم نكن دائما على هذه الحال. ويبدو جليّاً بأنّه قلّما ما وُفق ولم يُقابل سوى بنظرات مستغربة مشككة وغير مبالية، تماما كنظرات طلاب جامعيين أوروبيين وردّ فعلهم على نص تاريخي الماني عرضه عليهم احد اساتذتهم وذُكر فيه بأن اول ساعة عُرفت في اوروبا هي ساعة أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد الى ملك الفرنجة شارلمان فما كان منه الا أن حطّمها، على الرغم من اعجابه الشديد بها، لأن حاشيته أقنعته بأن الشيطان يسكنها. 

ومع ذلك لا يستسلم معلوف ويأمل بأن الحل لا بد أن يكون نابعا من حس المسؤولية لدى من هم بخير، اي القارة الاوروبية على وجه الخصوص، تجاه باقي الشعوب المأزومة، منطلقا من مبدأ وحدة البشر ووحدة الكون ووهم ان تنعم بالسلام فيما جارك يغرق بالجحيم. ولا ينسى الكاتب المهجوس بالغرق ان يُعبّر عن قلقه من العالم المتغيّر والى ما يمكن أن يؤول اليه في ظل هذا التقدّم التكنولوجي العظيم ولاسيّما المخيف لمن يرى أبعد من التصفيق للرفاهية التي سيوّفرها. 

حزين هو معلوف على غرق الحضارات، لا بل وعلى أفول عالم كامل عرفناه. وكأنّه يحمل همّ العالم على كتفيه. ومدهش كيف يريد الاحاطة بكل الامور حتى تكون آراءه موزونة وغير متحيّزة، إنّه من صنف المثقفين النادرين في هذا الزمن، بعيدا عن ثقافة الشتّامين الذين يزيدون العالم ظلامية بأساليبهم السوقية والغارقة في الكراهية واتهام الآخر، والضياع في دهاليز صب اللعنات بدل أن يخرجوا بفكرة واحدة مضيئة.