الإتفاق النووي الإيراني – الأميركي الجديد.. هل يراعي أمن إسرائيل؟

21 نيسان 2021 10:25:00 - آخر تحديث: 21 نيسان 2021 11:10:06

انتقلت السياسات الإيرانية في ردود أفعالها من موقع استيعاب الضربات وعدم الرد، خوفاً من أي خطأ أو رد فعل يوقعها في اشتباك عسكري مباشر مع القوات الأميركية خلال عهد ترامب، إلى موقع تجاوزت فيه سياسة الضغوط القصوى التي فُرضت عليها من قِبل إدارة ترامب وإسرائيل، والتي تخلّى عنها الرئيس بايدن إثر وصوله إلى البيت الأبيض، وبدّل أسلوب التعامل مع إيران، ونقل ملفها من إدارة البنتاغون إلى وزارة الخارجية ودائرة الأمن القومي، فعاد الملف الإيراني إلى يد وليم بيرنز، الذي صاغ مع بايدن عام 2008 العلاقات الإيرانية- الأميركية في العراق، والذي انتهى إلى تسليم العراق أمنياً وسياسياً لإيران، وانفراد الشركات الأميركية نحو القضايا الاقتصادية والنفطية. وقد كُشفت هذه المعلومات فيما عرف باتفاق التعاون الاستراتيجي الأميركي – العراقي، والذي تعمل إدارة الكاظمي على تعديله.


السياسة الإيرانية الجديدة مع الإدارة الأميركية الحالية، تقوم على الاستثمار في المصالح المشتركة، وهذا ما يبرّر رفع منسوب التصعيد الإيراني في العراق واليمن، حيث حاولت ميليشيات الحوثي الهجوم على مدينة مأرب بهدف كسر التوازن القائم، وفرض الحل الذي يريده الإيراني. وهذا التصعيد لم يلقَ من الإدارة الأميركية سوى الشجب اللغوي والاستنكار، والقليل من الدبلوماسية التي تقول إنّ، "أميركا ملتزمة بأمن السعودية". والهدف المعلوم من هذا الإعلان، وهذا الالتزام هو ما يوفّره لها من صفقات مالية ضخمة جراء وجود المنصات الصاروخية الدفاعية التي تضرب الصواريخ البالستية، والطائرات المسيّرة، التي يطلقها الحوثيون على مختلف المناطق السعودية، والتي تشكّل تهديداً حقيقياً للأمن السعودي، ولأمن الاقتصاد والطاقة العالمي.

وحيث يشكّل العراق نقطة محورية للصراع الإيراني – العربي في المنطقة، حاولت الميليشيات الإيرانية تغيير المعادلة القائمة من خلال محاولة الانقلاب على الرئيس مصطفى الكاظمي لإجباره على التراجع عن سياساته الانفتاحية، وضبطه للتفلت الأمني، مستخدمةً التحدي في الشارع، ومحاولة تخريب الانتفاضة الشعبية التي أوصلته إلى السلطة. كما اشتدت قبضة التعطيل السياسي في لبنان، تحت عناوين مختلفة، من قِبل حلفاء إيران وبغطاءٍ واضحٍ من حزب الله لمنع تشكيل حكومة جديدة بشروط المجتمع الدولي تتولى وقف الانهيار الاقتصادي المتسارع، دون أن يشعر حزب الله بأي تهديد إسرائيلي أو أميركي حقيقي كما كان عليه الحال إبّان عهد ترامب.

العديد من الخبراء يحمّلون إيران مسؤولية تعطيل المبادرة الفرنسية – الأوروبية، حيث لا يعير حزب الله، وحليفه الرئيس ميشال عون، أي اهتمام للموقف الأوروبي، ما يعني أن العلاقة الحالية بين إيران والإدارة الأميركية الجديدة، تخوّلها تنفيذ سياساتها التصعيدية لاستخدامها في المساومة على الملف النووي.

وبعد حادثة نطنز التي أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عنها، تم تتويج سياسة التصعيد الإيراني برفع نسبة التخصيب النووي اغلى 60%. هذه المرحلة من مستوى التخصيب هي النقطة التي تريد إيران المساومة عليها مع المجتمع الدولي، ومع الإدارة الأميركية، بهدف انتزاع إيران موافقة أميركية على الموقع والدور الحجم الذي ستكون عليه طهران في الشرق الأوسط.
وبات من الواضح أن التصعيد الإيراني في رفع نسبة التخصيب، وتصعيد الجبهات الميدانية بأشكالٍ مختلفة في اليمن والعراق ولبنان، هدفه تمكين المفاوض الإيراني من ابتزاز المجتمع الغربي، لا سيّما الأوروبي، على الصياغة الجديدة للاتفاق النووي بما يناسب طهران أولاً على حساب الدول العربية، خاصة وأنّ طهران تدرك حجم العداء الإيديولوجي للطاقم الدبلوماسي الأميركي - الديمقراطي الموجود في البيت الأبيض ضد السياسة السعودية خاصة، والعربية (السنّية) عامة، حيث تتناسى الإدارة الحالية سياسة الانفتاح والإصلاح التي تنتهجها المملكة، وتركّز على جريمة الخاشقجي باعتبارها القضية الأساس لديها. وكذلك تتجاهل الخطر المائي على مصر والسودان الناجم عن ملءِ سد النهضة، والذي يشكّل تهديداً وجودياً للبلدين، وتفرج عن المساعدات المالية للحكومة الأثيوبية بمقدار 185 مليون دولار، والتي كان قد أوقفها ترامب، لا بل تدعم السياسات الضاغطة على مصر في قضايا حقوق الإنسان، والسجون، والإخوان المسلمين، والتي يشنّها الإعلام الغربي عليها.

إيران تقرأ جيداً ماذا تعني هذه السياسة الأميركية المعادية للعرب، وماذا تعني مغادرة سياسة الضغوط القصوى التي عاشتها على مدى أربع سنوات، وماذا يعني السعي من أجل العودة إلى الاتفاق النووي بأسرع وقتٍ ممكن، والتي يدفع باتجاهها الرئيس بايدن. هذه العوامل مكّنت طهران من اعتماد سياسة التصعيد ثلاثية الأبعاد التي انتهجتها (ميدانياً - دبلوماسياً - نووياً) التي أعادت المفاوضات للبحث في مسألة مستوى التخصيب على اعتباره القضية المركزية للمفاوضات، وليس مسألة الانتشار والتمدّد في الشرق الأوسط، والتعدي على المصالح العربية، ولا مسألة الصواريخ التي تهدّد الملاحة البحرية، وتهدّد أمن الطاقة، كما تهدّد الأمن العربي والأمن الأوروبي.

نحن أمام حقيقة واضحة هي أن المسار الأميركي - الإيراني سوف ينتج اتفاقاً نووياً جديداً، وهذا الاتفاق سيكون مفصّلاً على مستوى من التوازن بين مصالح واشنطن وموقع طهران ومصالحها. فواشنطن لا تريد كسر طهران، بل تريدها أن تبقى "فزّاعة" لدول المنطقة. هذه الاستراتيجية الأميركية (استراتيجية إدارة النزاعات وإدارة الفوضى) التي انتهجتها واشنطن منذ عملية تفجير برجَي التجارة العالمي في 11 أيلول 2001، مروراً بغزو أفغانستان، ولاحقاً احتلال العراق عام 2003، ما زالت هي ذاتها. وهذه السياسة الأميركية التي تعاونت مع إيران في حربَي أفغانستان والعراق، استخدمت إيران، ومازالت، لإعادة صياغة المنطقة وإنتاجها من جديد.

إيران تدرك ذلك، وتعلم ماذا تفعل، وليس لديها أية مخاوف من أي ضربات عسكرية وازنة تتحدث عنها إسرائيل وبعض الصحف الغربية، لا بل فإن التصعيد الإسرائيلي هذا يعطي الإدارة الأميركية مدخلاً لتقديم أمن إسرائيل كذريعة في تحسين شروطها في الاتفاق الجديد. وهذا الأمر يدركه الإيراني أيضاً ويستخدمه لمصلحته من موقع آخر، بما يعني أن سقف الاتفاق النووي القادم سيكون إيرانياً – أميركياً – إسرائيلياً على حساب مصالح دول وشعوب المنطقة العربية.