الحدود البحرية ومرسوم الضمير

17 نيسان 2021 15:26:45

منذ العام 2010 بدأ الرئيس نبيه بري التفاوض مع الأميركيين بشخص موفدهم فريدريك هوف حول ترسيم الحدود البحرية للبنان مع دولة الاحتلال اسرائيل. هوف طرح التفاوض على خط الـ 860 كلم. الدولة أصدرت المرسوم 6643 الذي يحدّد الحدود عام 2011. حصل تقدّم بسيط معلن على مسار المفاوضات، وكانت إشارات أميركية واضحة في مرحلة معينة بامكانية الوصول الى ال 860. لكن كل هذا كان يتطلّب مفاوضات مع اسرائيل. أصرّ الرئيس بري على مفاوضات برعاية الأمم المتحدة، دون ممانعة مشاركة الأميركيين. لكن المظلة هي الأمم المتحدة. لأسباب سياسية عديدة داخلية، واسرائيلية، توقفت المساعي. ثم أعلن عن تكليف موفد أميركي جديد، هو أموس هوشتاين ثم ديفيد ساترفيلد وأخيراً ديفيد شينكر.

في السنوات الثلاث الأخيرة، ومع وصول إدارة الرئيس دونالد ترامب الى الحكم في أميركا وظهور "اللمعة" الاستثنائية سياسياً ودبلوماسياً "والظاهرة القانونية الخلاقة الباهرة"صهره جاريد كوشنير بدأت الحسابات تتداخل في لبنان والعيون تفتح على "ملف" ترسيم الحدود البحرية وبدأت معها الحرتقة. لماذا يدير نبيـــه بري هذا الملف؟ أحد المسؤولين وعد الصهر "كوشنير" بإعادة الملف الى مجلس الوزراء وبتمرير الترسيم، مقابل وعد من الصهر الأميركي بتقديم مساعدات مالية للبنان لمعالجة أوضاعه الاقتصادية المالية. لم تنجح المحاولة ولم يتمكن هذا الصهر من الحصول على "الهدية" المنتظرة كما قال أحدهم!! أما "الصهر المحلي اللبناني" الشريك الأساس في القرار بل الممسك بالقرار في تلك المرحلة، فقد أراد ولأسباب سياسية وحسابات مستقبلية أن يكون "الملف" في عهدة "الرئيس" الذي يفاوض باسم الدولة دستورياً!! الفشل الفردي والجماعي ولّد أحقاداً، واصبح بنداً من بنود الخلاف السياسي الداخلي. حسم الأمر في الأشهر الماضية.

وكان كل شيئ محضراً وبالتحديد بعد ولادة حكومة نتانياهو الأخيرة والضغط للعودة الى المفاوضات. كان ثمة توجّه لإصدار مرسوم جديد لتحديد حدود لبنان البحرية. وكان ثمة ورش عمل تدرس الأمر. سحب التكليف من يد الرئيس بري. قدّم نصائحه. قال رأيه بأمانة ووضوح ونبّه الى خطر الوقوع في مطبات المزايدات وخطيئة الخسارة. وأصدر بياناً واضحاً في هذا الاتجاه. سلّم الأمانة. هنا بدأ "التخبيص" في أوساط الفريق الذي اعتبر أنه انتصر باستعادة الملف الى دوائره. ظهر "التخبيص" في الإعلام . وبدأ كل واحد ينتظر الآخر على الكوع !! إنطلقت المفاوضات ثم ظهرت خرائط جديدة تتحدث عن حق لبنان في مساحة أكبر، زيادة 1400 كلم تقريباً. رفض الاسرائيلي. قدّم خرائط تصل فيها "حدوده" الى صيدا!! فتوقفت المفاوضات. دخلنا هنا في لعبة إصدار مرسوم يعدّل المرسوم السابق رقم 6433 وبدأت المزايدات والعنتريات والبطولات الإعلامية الوهمية واختلط الحابل بالنابل في لعبة تصفية الحسابات والانتقام والشماتة.  لبنان يقترب من الانهيار الخطير واسرائيل تجتاح بر وبحر العرب!! كان إصرار على توقيع المرسوم الجديد على قاعدة موافقة استثنائية بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال. قامت حملات إعلامية مركّزة. ووضع البلد أمام ساعات حاسمة منذ أيام وبدأت الاستعدادات لتنظيم احتفالات "الانتصار الكبير" بتوقيع المرسوم تمهيداً ل "التحرير" الأكبر في وجه الاسرائيلي المدعوم أميركياً، وقبل ساعات من وصول الموفد الأميركي ديفيد هيل الى بيروت. وقّع وزير الأشـغال العامة والنقل، ووزيرة الدفاع، ورئيس الحكومة ولم يوقّع رئيس الجمهورية مفاجئاً الجميع لأن:  

1 -  "المرسوم يحتاج الى مجلس وزراء". هل اكتشف هذا الأمر خلال الساعات الماضية والمعركة مفتوحة منذ أشهر ورئيس الحكومة لأسباب عديدة يرفض انعقاد المجلس؟؟ لماذا أقحمتم البلد في هذا السجال الخطير؟؟ أيــن "عباقرة" الدستور "وفقهاء" القانون الذين يخرّجون تخريجات أحيانـــاً "لا  تركب على عقل"؟؟ ولماذا مورست حملة التهديد والوعيد والتخوين ضد كل من لا يوقّع أو يعترض؟؟ وقد كلفت ما كلفت!! والحاملون والمتحاملون والحالمون، هل اتهموا ويتهمون الرئيس مثلاً؟؟ ماذا يقولون اليوم؟؟ 

2 -  "المرسوم يحتاج الى توافق". لماذا إذاً الحملات منذ فترة طويلة، وهل تذكّر المعنيون التوافق اليوم وحول هذه النقطة بالتحديد وليس ثمة توافق في البلاد على أي أمر تقريباً بسبب سوء الإدارة والنكد والحقد وانعدام حسّ المسؤولية هنا وهناك مما كسر التوافق الداخلي؟؟

3 -  "يجب تجنيب لبنان أي تداعيات قد تتأتى من مواقف غير متأنية". أتمنى أن يكون الجميع قد تعلم من المواقف غير المتأنية  وتحديداً من المعنيين اليوم بتشكيل الحكومة لأن نتائجها دائماً كارثية. فكيف إذا كنا أمام قضية بحجم ما نناقش؟؟ ألم يكن المعنيون يدركون ذلك قبل "دقّ النفير" وإطلاق حملات الضغط لمساندة توقيع المرسوم الجديد؟؟ غريب. كأنهم مبتدئون في العمل السياسي!! 

4 -  "إن التوقيع يعني إنهاء المفاوضات". ألم يكن هذا التقدير موجوداً ومعروفاً وينبغي الوقوف عنده قبل الإقدام على تلك الإندفاعة غير المحسوبة التي أظهرت صورة إضافية بشعة عن الواقع السياسي الداخلي؟؟ ألم نكن في غنى عن النقاشات الصاخبة التي دارت في الجلسات الوزارية، والكمائن المتبادلة، وأزمة الثقة المفتوحة، والتحديات العالية النبرة، وتصوير الوضع وكأنه مبارزة بين "الجيش "وقوى سياسية لا تريد التوقيع، أو بين الرئاسة وفريق آخر" يتلاعب بمصير البلد" كما كان يقال؟؟ وبالمناسبة ثمة سؤال يطرح في أكثر من مكان: هل ثمة من دفع الجيش الى الدخول في هذه العملية، ثم تمّ التخلي عن طرحه، في سياق حسابات داخلية آنية ومستقبلية؟؟ أهذه هي أصول التفاوض؟؟ أهذه هي إدارة التفاوض ومع عدو مثل اسرائيل والمعنيون عاجزون عن التفاوض لترسيم "الحدود الدستورية" "والسياسية" بين بعضهم، لتشكيل حكومة؟؟ إن ما جرى قدّم أفضل صورة لاسرائيل لتقول: "ثبت مرة جديدة أن المشكلة بينكم. داخل بلادكم. في بيتكم. وليست معي"!! وليتعمق المشكل الداخلي. 

5 -  "لا بد من مشاركة خبراء دوليين لتحديد الحدود". هذا ممكن. لكن لماذا الاستفاقة عليه اليوم وطرحه أمام ديفيد هيل، وإبداء "الاستعداد للعودة الى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها"؟؟ ألم يكن ممكناً، بل ضرورياً لمصلحة البلد "وتوافقه" إنجـــاز كل هذه الخطوات قبل الذهاب الى المفاوضات؟ هل فكّرنا بالصورة التي حملها معه الأميركي العائد الى بلاده بعد لقاءاته التمهيدية لإجتماع بعبدا، ومع الأطراف اللبنانية المختلفة حول كل الأمور وعلى رأسها ترسيم الحدود البحرية مع "اسرائيل"؟؟

لست في هذا السرد لأدافع عن الرئيس بري اللاعب السياسي المحنّك الواقعي. بل ولأنني رافقت عندما كنت وزيراً للأشغال العامة والنقل مرحلة الإعداد للمرسوم 6643، وشهدت مناورات وبازارات، وبيع مواقف لدول هنا وهناك،  ومزايدات داخلية، وحسابات "رئاسية"، وكل ذلك لا يمتّ الى مصلحة لبنان بصلة، رفضتها، وانكفأت عن حضور اجتماعات في تسجيل موقف واضح ضد هذه السياسة المقلقة المضرّة. وبعد أشهر من المماحكات وعندما أرادوا توقيع المرسوم وبالتنسيق التام مع مدير النقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، ثبّتنا في متنه البند الذي يفتح الباب أمام اي تعديل يبنى على المعايير العلمية والقوانين الدولية!! ورغم ذلك، استمر التلاعب وعروض الخدمات بعد التوقيع  واستمرت المناكفات. كانت مواقفنا واضحة. كان ضميرنا مرتاحاً لأننا ندرك أن ثمة مرسوماً "إلهياً"، جسّدته في عمق معانيها الرسالات السماوية كلها ولا يجوز تجاوز حدّه وهو "مرسوم الضمير" الأقوى من كل الحسابات والسياسات. أوقعونا أخيراً في ألاعيبهم ووعودهم وحسابات مصالحهم في مواقعهم المختلفة فتجاوزوا حدّ هذا المرسوم في علمية تشكيل الحكومة، وفي تعديل مرسوم الحدود البحرية فأصيب الضمير هنا وهناك!!