خلفيات ثقافة الحُكم على الفكرة

15 نيسان 2021 09:32:02 - آخر تحديث: 15 نيسان 2021 09:33:17

في السياسة أو في الثقافة أو في الابتكارات العلمية المختلفة، غالباً ما يعتمد الحكم على قيمة الفكرة المُبدعة على وضعية صاحبها، أو على المرجعية العرقية أو القومية أو الوطنية، وحتى الدينية التي ينتمي إليها، أو على حالة الدولة التي تتبنَّى الإنجاز، سواء كان مُنتجاً علمياً جماعياً أو نبوغاً فردياً. والثقافة السائدة إجمالاً في بيئتنا، لا تتعامل مع الحدث بتجرُّد كقيمة، بل غالباً ما تتبناه أو ترفضه قياساً للرضا السياسي عن الدولة التي يولد فيها، أو قياساً على هوية الفرد أو جنسية الشركة، فإذا كان هؤلاء أصدقاء أو على «الميل» نثني على إنجازهم ونتعامل مع الفكرة أو البراءة بحماسة، وإذا ما كان أصحاب الفكرة أو براءة الاختراع من تابعية لا نستسيغها بالعادة؛ نقلِّل من شأن الفكرة، ولا نتعامل معها، أو نستفيد منها على الشاكلة الصحيحة. وهناك بعض الدول أو الأفراد تجاوزوا محددات الثقافة الموروثة، ولجأوا إلى جذب المفكرين عن طريق تقديم حوافز شخصية مُغرية لهم، كما أن جمهوراً واسعاً بدأ يتعامل مع الإبداع كقيمة يُستفاد منها بصرف النظر عن هوية هذا الإبداع.

 وإذا ما استندنا إلى رؤية الكثير من العلماء والفلاسفة في أن الفكرة المُبدعة تأتي بالفطرة المُتمرِّدة على أجندة الإرادة، والعلم والمختبرات هي التي تبلورها، أو تضعها في خدمة الإنسان؛ يتأكد لنا أن الآدمية المُجرَّدة واحدة، والإنسانية واحدة، والانتماءات الوطنية أو القارية أو العرقية أو الدينية هي لإغناء هذه الآدمية وتلك الإنسانية والبناء على مداميكهما، وهذه الانتماءات ليست للتفرقة أو للتحارب أو لتعطيل السياق العام للبشرية تحت شعارتٍ غير سوية تتناقض جوهرياً مع مقاصد الرسالات السماوية السمحاء، ومع فلسفة التكوُّر البشري الذي يستند إلى رؤى قدماء الفلاسفة الشرقيين المؤسسين لمدارس الأخلاق. فهناك من الخلق مّن هو أخوك في الدين، وهناك منهم من هو أخوك في الإنسانية على حد تعبير الإمام علي بن أبي طالب.

 الإنسانية جمعاء استفادت من إبداع الفلاسفة والمفكرين والعظماء، فعلوم ابن سينا الطبية لم تكُن إسلامية فقط، وشخصه لم يستفد من ابتكاراته إلا بما ندر، بل إن تلك الإنجازات الطبية كانت في خدمة البشرية. ونظرية الجاذبية والنسبية التي استكملتهما لم تكونا بخدمة بريطانيا وألمانيا بلدي الفيلسوفين نيوتن وأنشتاين حصراً، بل أغنت المحفظة العلمية للعالم أجمع، والقاعدة: أن الشجرة لا تأكل من ثمارها بل تنتجها ليأكلها الآخرون.

 من المؤكد أن لكل من شعوب الأرض ثقافتة، وغالباً ما يكون له ميثولوجيا تختلف في بعض الجوانب عن الركائز الثقافية أو عن عادات الشعوب الأخرى، لكن العصر وتطور التكنولوجيا زادا من مساحة المشتركات بين الشعوب، وهذه المشتركات ساهمت في إنتاج معايير موحدة لبعض المفاهيم أو البنى التحتية للحضارة، وتوصلت الأسرة الكونية لتوحيد توصيف بعض المقاربات المشتركة، كأهمية حرية الرأي وضرورة احترام التنوع على اختلافه، وكمفهوم حقوق الإنسان البديهية بصرف النظر عن لونه وجنسه ولغته وانتمائه العرقي أو الوطني. وفي المجال العلمي والصناعي اتفق المجتمع الدولي منذ عام 1947 على تأسيس المنظمة الدولية للمعايير (ISO) في مدينة جنيف السويسرية، بمشاركة 165 دولة، وقد توصلت حتى الآن لتحديد مواصفات نموذجية لأكثر من 22919 صنفاً من المبتكرات الصناعية والزراعية والتقنية وغيرها، على اعتبار أن هذه المواصفات بمثابة ابتكارات لخدمة البشرية، وليس لها هوية شخصية، أو ماركة مسجلة لإحدى الدول أو المجموعات. والفكرة من توحيد المعايير هدفه تحييد القضايا التي تتعلَّق بخدمة الإنسان أينما كان، عن التنافسية الشرِهة التي تحارب بعدة التفرقة وبأصناف التباعُد.

 الواجب الإنساني يقضي بتقديم الأفكار القيِّمة التي تخدم العالم أجمع من دون منَّة احتكارية، وبما لا يتعارض مع قانون الملكية الفكرية الذي يضمن حق الإنسان في الحصول على البدل العادل عن عمله؛ إلا أن المجتمع الدولي مطالب في ذات الوقت بالإقلاع عن وسم الأعمال الشنيعة بمجموعات أو دول أو ديانات، لأن أي فكرة أو عمل أو ابتكار يضرُّ الناس أجمعين لا هوية له أيضاً، وهو مُدان، وفقاً لذات المقاربة المعتمدة مع الأعمال النافعة التي تستحق الثناء.

 معاناة الدول والشعوب من ترسبات التنسيب للفكرة وفقاً لهوية صاحبها، كبيرة، والقاعدة: أن تبادل الأفكار واصطفاءها غنى. أما ثقافة التنكُّر للإبداع قياساً إلى هوية صاحبه الشخصية أو المعنوية؛ فهي مقاربة أثبتت إخفاقها وضررها.
 يمكن إدراج مجموعة كبيرة من الأمثلة على الابتكارات النافعة للبشرية والتي لا يجوز التعامل معها على خلفية الرضا - أو الكدَر - من صاحبها، منها الإنجازات الطبية بمناسبة مكافحة جائحة كورونا الخبيثة، والتي لا يجوز بأي شكل من الأشكال إخضاعها لقواعد التنافس التجاري ولا للمصالح الدولية، لأن ذلك قد يُفسِد جزءاً من مقاصدها، أو جُلَّها.