قتلوه لأنّه بديلٌ تقدميٌ لقيادة حركة التحرّر الوطني العربية

14 نيسان 2021 14:47:01

كمال جنبلاط، الرجل اللبناني الصميم الذي لا مجال للتناقض في ذاته بين عروبته ولبنانيّته، والرجل المثقّف الكبير الذي لا مجال للتناقض بين ذاته وغيره، والرجل الإنساني الكبير الذي يرى أن ذروة حب النفس هي في حب الغير، والرجل المتخطي للطوائف، والعابر لها، والذي لم يأخذ من طائفة الموحّدين الدروز إلّا جوهرها التوحيدي، وعمقها الميتافيزيقي، ليرى فيها مدخلاً إلى جوهر المسيحية، وإلى جوهر الإسلام كما هي الرسالة الإسلامية، لا كما يمارس عددٌ من الأنظمة.

لقد وضع كمال جنبلاط إرهاصات الحركة الوطنية اللبنانية بتأسيس جبهة الأحزاب الوطنية والتقدمية اللبنانية في الستينيات والسبعينيات (من القرن الماضي) المكوّنةمن الحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب الشيوعي اللبناني، وحركة القوميين العرب، ومعروف سعد، ثم انضمّت إليها بعد ذلك نهاد سعَيْد، وانضمّ بعدها الجنرال جميل لحود. وقد لعبت دوراً كبيراً في محطات مختلفة بالحياة السياسية اللبنانية وصولاً إلى تأسيس الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، والتي كانت أحد أسباب اغتياله ببعدها العربي، والتي تشكّل البديل التقدمي الحقيقي لقيادة حركة التحرّر الوطني العربية المكوّنة من بعض الأنظمة القومجية التي تخلّت عن القضية الوطنية التحرّرية، وفقدت بالتالي مبرّر وجودها.

وكانت الحركة الوطنية نموذجاً بديلاً فوق الساحة اللبنانية، والصراع الدائر هو صراعٌ يتوقّف على نتائجه جزءٌ كبير من مصير الصراع العام على الصعيد العربي.

لقد شكّلت الحركة الوطنية اللبنانية، بقيادة كمال جنبلاط، إحدى القوى الأساسية البديلة للعب دور البديل كامتدادٍ طبيعي لدورها السابق والراهن في حينه، ولكمال جنبلاط، شخصياً، دورٌ بارز في تجسيد وبلورة المواصفات والمميزات التي يمكن التوقف عند أبرزها: 

1- إنّ الحركة الوطنية اللبنانية هي حركة جماهيرية تؤمن بالجماهير، وتستند إلى الجماهير. وهي حركة ديموقراطية إيماناً واستناداً استراتيجيّين،

2 - إنّ الحركة الوطنية هي حركة قومية أصيلة، صراعها ضد الاستعمار، والصهيونية، والرجعية، وهو صراع استراتيجي.

3- إنّ الحركة الوطنية هي حركة تقدمية حقيقية، وقناعتها بتشابك التحرّر القومي مع مهام التقدّم الاجتماعي.

4 - إنّ الحركة الوطنية تقدّم الصيغة المطلوبة للتحالف الطبقي السياسي والقيادي القادر على متابعة مهام حركة التحرّر الوطني في عصرنا. 

5 - هذه الميزات الأساسية المختصرة التي اتّصفت بها الحركة الوطنية اللبنانية قد تجسّدت في الكثير من عناوينها بشخصية قائد الحركة الوطنية، كمال جنبلاط وبنهجه. 

ذلك بذاته قد أضاف ميزة أساسية لهذه الحركة، وهي وجود شخصية تاريخية  في قيادتها تشكّل قاسماً مشتركاً بين فصائلها من الجماعات الدينية والأحزاب القومية، وصولاً إلى أقصى اليسار، مروراً بالمستقلين، مما شكّل مصادرة القرار الطائفي لمصلحة القرار الوطني. وكان كمال جنبلاط قاسماً مشتركاً بينها وبين أوسع الأوساط الوطنية المستقلة، وغير الملتزمة، والمحايدة، والديموقراطية. وشكّل وزناً عربياً وعالمياً كبيراً وظّفه في صالحها، كما شكّل ثروةً ثقافية، وعلمية، وروحية، وخلقية وفيرة أكسبتها الاحترام المتزايد على كل صعيد.

هذه الميزات هي التي جعلت هذه الحركة "خطرة " على القوى التي سقطت تاريخياً، والتي تبذل المستحيل لكي لا تسقط عملياً، وترتكب كل الجرائم محاولةً أن تؤخّر سقوطها العملي المحتوم.  

إن الدور اللّاحق لكمال جنبلاط هو الذي دفع لارتكاب الجريمة واغتياله.

كانت عملية الاغتيال تلك قد حصلت في 16 آذار  من عام  1977، بعد عامٍ من ذلك اللقاء العاصف الذي جرى بينه وبين حافظ الأسد، والذي أعلن فيه المعلّم بقوةٍ وبحزم أنه لن يقبل بأي شكلٍ من الأشكال إدخال الشعب اللبناني في السجن العربي الكبير.
وكانت القوات السورية قبل ذلك اللقاء قد اجتاحت لبنان في ربيع 1976، وحققت انتصاراً عسكرياً على الحركة الوطنية اللبنانية، وأحدثت بانتصارها ذاك هزيمةً للمشروع الذي كانت الحركة الوطنية بقيادة كمال جنيلاط تناضل من أجل تحقيق المشروع المتمثّل ب" البرنامج المرحلي للحركة الوطنية" الذي كان يرمدظي لتصحيح النظام السياسي في لبنان في اتجاه الديموقراطية، ويؤسّس لحركةٍ ثوريةٍ عربيةٍ بديلاً عن الخنوع، والتراجع، والتخلي عن القضية الفلسطينية، والتحرّر الوطني. 

كان كمال جنبلاط، برغم علمانيته، قدرياً. وكان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن منيّته لا تأتي إلّا عندما يكون مقدّراً له ذلك. لكنّه كان يغلّب العقل في التصدي للاستحقاقات مثلاً، عندما كان وزيراً للاقتصاد، لفت الجميع بسبب الجهد الذي بذله لتشجير المرتفعات الجبلية الجرداء، مستخدماً في ذلك الطائرة التي كان الاختصاصيون يرمون منها البذور على الجبال، بأمل أن تتحول تلك الأرض، بفعل الخصوبة وكثرة المياه، إلى أحراشٍ تغطي تلك المناطق من جبال لبنان، وحماية البيئة، والحفاظ على توازنها، وتبيّن أهمية حماية  الطبيعة، ومواجهة الاعتداء عليها من مجرمي القوى المنتجة الاقتصادية والاجتماعية واستغلالها، ممّا حوّلها على امتداد الكون إلى قنبلة مفخّخة انفجرت مهدّدة البشرية جمعاء.


 ورغم أنّه كان معادياً للطائفية في المبدأ بشكلٍ عام، وكان معارضاً للصيغة الطائفية التي يقوم عليها النظام اللبناني، فإنّه كان حريصاً على تأكيد زعامته التاريخية لطائفة الموحدين الدروز باسم عائلته الجنبلاطية العريقة، المتوارثة فيها الزعامة أباً عن جد، والتي ما زالت مستمرة بروافد غنيٌة من وليد جنبلاط، وملامسة تيمور جنبلاط للواقع الموروث والملموس من سلفه.

كان كمال جنبلاط يزاوج بدقة بين قيادته للحركة الوطنية ومشروعها الإصلاحي، لكنّه بالمقابل كان يحرص على احترام التقاليد والشعائر الدينية الخاصة بطائفة الموحدين الدروز، ولا  يسمح بتحدّيها.

*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية