"اللبننة" مجاعة وتسوّل

12 نيسان 2021 14:05:01

أكتب عن لبنان وشعبه عشية الذكرى السادسة والأربعين لاندلاع الحرب الأهلية فيه، وعشية بداية شهر رمضان المبارك، وفي المناسبتين يبدو لبنان بلداً غريباً. غريباً عن ذاته. عن محيطه. دولته غريبة عن دول العالم. حتى في الدول الفقيرة أو التي تعيش حروباً ثمة مظاهر عيد ولو نسبية. أما في لبنان فلا عيد ولا من يعيّدون بل مسؤولون يعيدون تكرار أخطر التجارب التي أوصلتنا الى الحرب فأوصلونا في مرحلة السلم الى أخطر مما عشناه فيها. والى نتائج كارثية أكثر مما خلّفته، وبعضهم يتحدث عن الحرب مجدداً وكلام كثير عن استعدادات لها!!

حرب لبنان بدأت في العام 1975 وتوقفت في العام 1990. غطت تطورات كثيرة في المنطقة وصفقات بين الدول. كان لبنان ساحة. وكانت المنطقة مستقرة. دولها تنمو على حساب لبنان وبأيدي اللبنانيين. ولبشـاعة ما جرى استخدم يومها تعبير  "اللبننة" للتحذير من الحرب والفوضى بعد أن كانت "اللبننة" تعني التجربة الفريدة النموذجية في الكيان اللبناني الاستثنائي، لناحية الحريات، والديموقراطية، ومستوى التعليم والتربية، ودور الجامعات، والمستشفى، والسياحة، والمرافئ، والمطار، والمصارف، وحرية التعامل المالي، والسرية المصرفية وما الى ذلك.

عام 1990 اعتقد اللبنانيون ان الحرب توقفت ولن تعود. كانوا ينتظرون الدولة. عادت وما عادت. كانوا ينتظرون إعادة بناء وإعمار وإزالة الخراب والدمار والأهم إعادة بناء مؤسسات الدولة. تحمّلوا حروب اسرائيل وانتصروا عليها. كانت إساءة الى الانتصار كما الى الاستقرار في استخدام السلاح في الداخل. ولم يتوقعوا الوصول الى مرحلة الانهيار التي يعيشونها اليوم، في وقت تحولت فيه دول المنطقة المحيطة الى ساحات، وبتنا أمام مصطلحات: "السورنة" و"العرقنة" و"الميننة" و"السودنة" و"الصوملة" و"الليبنة" (ليبيا)...

للأسف بعد 46 عاماً وليس ثمة حرب في لبنان، يعود شعار "اللبننة" بأبشع معانيه وصوره. طوابير السيارات أمام محطات الوقود لتعبئة البنزين. طوابير الناس أمام الأفران والمؤسسات التجارية لشراء الخبز. مشاكل في محلات بيع المواد الغذائية وتهافت على المواد المدعومة، وتجار يخفونها ويبيعونها بأسعار خيالية، وقسم منها يهرّب الى الخارج ولا رقيب أو حسيب. سرقات، احتيال، فلتان في الأسواق. انهيار العملة. وارتفاع جنوني لسعر الدولار. مشاكل في المستشفيات ومع شركات التأمين. خوف من فقدان أدوية أو ارتفاع أسعارها. ومخاطر تهدد قطاعات التعليم الجامعي والمدرسي. هجرة أطباء وممرضين واختصاصيين. خسارة ودائع في المصارف وانهيار القطاع المصرفي. ظلام في كل مكان ولا نور في أي مكان للخروج من الأزمة. استنفار دولي يدعو المسؤولين عن تشكيل الحكومة الى إنجازها بسرعة والذهاب الى مفاوضة المؤسسات الدولية لإيجاد مخرج ولا حياة لمن تنادي. حالة من الرعب والقلق تسيطر على عقول وأذهان اللبنانيين ولا من يسأل أو يبالي. بل لبنان على مشارف مجاعة حقيقية. "اللبننة" تساوي "المجاعة والتسوّل" اليوم. هل ثمة كارثة وعيب وفاجعة أكثر من ذلك؟؟ لبنان يكاد يكون الدولة الوحيدة التي يواجه أهلها خطر المجاعة وليس ثمة حروب فيها، ولسنا في حرب عالمية كما كنا في بداية القرن الماضي. لكن ثمة أخطر من الحروب. حقد القلوب. وسوء التقدير والتدبير. ونكد. وعقول حديدية مقفلة. وتجبّر وتكبّر عند المعنيين الذين يقدّمون قيمة الحقد على قيمة الوعد بالالتزام بأمانة المسؤولية. فيتقاذفون الاتهامات وبالأمس كانوا شركاء أوفياء وأصدقاء أعزاء تقاسموا كل شيئ، ويتمترس كل واحد منهم وراء حسابات لا مكان فيها للبنان واللبنانيين ومصالحهم ومصيرهم. 

نعم، هذه هي الحقيقة. ليس ثمة ما يبرّر تأخير تشكيل الحكومة إلا العودة الى استخدام لبنان ساحة. والى تصفية حسابات دول قريبة وبعيدة على أرضه والمستفيد الأكبر هو اسرائيل من انهيار الدور اللبناني!!

وأبشع وأخطر ما في الأمر أن مسؤولين في جهات دولية وإقليمية يقولون بوضوح: "لا حكومة قبل ستة أشهر أو ثلاثة اشهر"!! "سنقدم لكم مساعدات غذائية". يعني أنتم في الطريق الى المجاعة. والجواب الوحيد أمامكم: نعطيكم المساعدات. طيب: ماذا بعد؟؟ ما هي الخطة؟؟ لا جواب. وفي أي محاولة لاستخلاص الأجوبة أو الاحتمالات، لا يمكن لعاقل أن يقتنع بسبب واحد فيه مصلحة لبنان. أليس هذا أمراً خطيراً، مهيناً، مذلاً للبنانيين الموعودين بسلال من المواد الغذائية. ويذهب بعض المسؤولين الدوليين ليقول: "ربما تصل نسبة المجاعة الى 70% في صفوف اللبنانيين"!! "ونحن نبني حساباتنا على هذا الأساس"!! هذه هي الحقيقة الجارحة المؤلمة!!

هل يجوز أن يكون الاحتفال بمئوية لبنان الكبير الأولى وفي السنة الأولى من المئوية الثانية مميزاَ بـ "المجاعة" والانهيار والقهر والظلم والذل؟؟ أهذه هي "اللبننة الجديدة" في بداية المئوية الثانية؟؟

لا. لا يحق لأحد أن يرتكب جريمة ما ويعاقب بها أهل البلد أول مرة، ثم يأتي ليتنصل منها في معاقبتهم مرة ثانية بتدهور أوضاعهم ولا مبالاته!!

ولا يستطيع أحد أن يتلذذ في الحكم دون وعي وإدراك لما يفعل فيغرق ويغرق معه البلد ولا يقبل رأياً أو نصيحة، ويبقى مصراً أنه القوي، بل الأقوى، والأقدر على فعل كل شيئ ولم يبق شي في البلد!! 

ولا يحق لأحد أن يسلّم هذا الأقوى كل شيء ثم يعتبره "وباءً" لا يحتمل ولا يطاق بعد أن تركه "يتفشى" وينتشر في مواقع كثيرة، وفي لحظة ينفض يده من كل شيء ويترك اللبنانيين أمام مصيرهم!! إنها حالات مرضية من الأورام والأوهام خطيرة تهدّد لبنان وأهله. 

هكذا يستذكر هؤلاء "العباقرة" الحرب الأهلية بعد 46 عاماً على اندلاعها ويحرمون اللبنانيين من بهجة عيد، بل من أمل وأمن واستقرار وحياة!