كمال جنبلاط صانع الرؤساء ومحاسباً لهم في آن

11 نيسان 2021 16:09:51

منذ انتخابه للمرة الأولى نائباً عن منطقة جبل لبنان في أول برلمانٍ لبناني بعد الاستقلال، عُيّن وزيراً للاقتصاد والزراعة في حكومة الاستقلال الثانية في عام 1946. ثمّ انتُخب للمرة الثانية نائباً عام 1947، والتي تُعرف عند اللبنانيين بالانتخابات المزوّرة. وقد استقال جنبلاط من الحكومة احتجاجاً على ذلك التزوير، وأسّس مع حميد فرنجية، وعبد الحميد كرامي، وكميل شمعون، وزعماء آخرين "كتلة التحرّر الوطني" التي قادت حركة معارضة ضد حكم بشارة الخوري في المرحلة من حكمه التي ساد فيها الفساد والإفساد. وشارك في عام 1951 في تأسيس الجبهة الاشتراكية الوطنية التي تمكّنت من إسقاط بشارة الخوري في عام 1952. انتقلت الرئاسة إلى كميل شمعون، ورُفعت سيارة كمال جنبلاط على الأكف وهو بداخلها في ساحة دير القمر من الجموع الحاشدة، وهم يهتفون "لولا كمال ما كان كميل". وما إن تمكّن شمعون من الرئاسة حتى تخلّى عن حلفائه القدامى، وفي مقدمتهم كمال جنبلاط الذي صنع من كميل شمعون أول الرؤساء في حياته السياسية. وبدأت تتصاعد منذ ذلك التاريخ زعامة كمال جنبلاط السياسية في الموالاة أحياناً، وفي معظم الأحيان في المعارضة، على امتداد الخمسينيات، والستينيات، والسبعينيات، من القرن الماضي. وسرعان ما أصبح في نظر اللبنانيين واحداً من أكبر زعماء البلاد المميّزين. وساعده في ذلك تأسيسه للحزب التقدمي الاشتراكي عام 1949، مع نخبةٍ من الوجوه الثقافية والسياسية، وكان من أبرزهم الشيخ عبداللّه العلايلي، رجل الدِّين الفقيه المستنير، والأديب، والمؤرخ، والباحث المميز في فقه اللغة العربية. 

بعد تحالف كميل شمعون مع حلف بغداد، وتبنّي مشروع آيزنهاور لملء الفراغ في لبنان، محاولاً تجديد رئاسته عام 1958، اندلعت الأحداث التي تحوّلت إلى ثورة تُعرف في تاريخ لبنان بثورة 1958، والتي منعته من تجديد ولايته، وأتت بقائد الجيش آنذاك، الجنرال فؤاد شهاب، إلى موقع الرئاسة الأولى. وكان كمال جنبلاط الذي انخرط بالحكم داعماً له، وهو الذي كان له الدور الأساس في انتخابه رئيساً بترجيحه للوضع الداخلي. وتحوّلت البلاد ابتداءً من شهر أيار من ذلك العام في أعقاب اغتيال نسيب المتني إلى جبهات قتال طالت كل مناطق لبنان بدءاً من العاصمة بيروت، وكانت إحدى هذه الجبهات تدور في منطقة الشوف.

في عهد الرئيس شهاب ازداد حقد كمال جنبلاط على "الشعبة الثانية" وتجاوزاتها، وتفريغ نهج الحكم الإصلاحي وعرقلته، والذي أصبح الرئيس أسيراً لها من الداخل، ويواجه هجوماً من الحلف الثلاثي والمتضررين من الإصلاحات من الخارج. 

اعتبر كمال جنبلاط بأن فضيحة محاولة خطف طائرة الميراج، وتسليمها لعبد الناصر بحجة تفكيك أسرارها كونها السلاح الرئيسي الإسرائيلي، بأنها ملفّقة بدورٍ من الشعبة الثانية، ومِن ورائها الأميركيون، وموجّهة ضد السو?يات وللتأثير على انتخابات رئاسة الجمهورية. 

جرت محاولات لإقناع كمال جنبلاط بانتخاب الياس سركيس بهذه الأجواء.  وعُقد اجتماع في المختارة، وتدخلت قوى عديدة، ومنها قوى عربية، لمصلحة الياس سركيس المرفوض من سلام، والجميّل، وإدة، وفرنجية، وشمعون. فرجّح كمال جنبلاط انتخاب سركيس بشرط الحصول منه على تعهدات في قضيّتين: اتفاق القاهرة والعمل الفدائي، والترخيص للأحزاب اليسارية الذي سمحَ به كمال جنبلاط عندما كان وزيراً للداخلية، واعترض عليه بيار الجميّل، وجمّده رشيد كرامي حرصاً على تفادي الأزمة.

عُقد الاجتماع في منزل كمال جنبلاط بحضور سركيس، وحشدٍ من الأحزاب والشخصيات. وتولّى الأستاذ عباس خلف، نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، توجيه الأسئلة إلى المرشّح الياس سركيس الذي كان محافظاً ومحدوداً (في إجاباته).

كان يجيب بشكل بروتوكولي بأنّ الرئيس في لبنان لا يقرّر وحده، وأنّ الأمور يجب أن تُبحث في مجلس الوزراء والبرلمان. هكذا كان يرد على جميع الأسئلة.

أجوبته على الأسئلة، لا سيّما موضوع اتفاق القاهرة، والترخيص للأحزاب اليسارية، والذي قال بأنّه لم يدرس الملف، أثارت غيظ كمال جنبلاط. 

ظهرت عناوين الصحف في اليوم الثاني بأنّ سركيس سقطَ في الامتحان في منزل كمال جنبلاط، والذي عبّر عن رأيه بالفرنسية للمقربين منه بعد مغادرة سركيس والحضور الاجتماع بالقول: "هذا ثانٍ جيّد، والثاني الجيّد لا يمكن أن يكون يوماً أول".

بدت احتمالات انتخاب فرنجية واردة. وبلّغ كمال جنبلاط فرنجية بالأسئلة التي وُجّهت إلى الياس سركيس، والتي ستوجّه هي ذاتها إليه. وعُقد الاجتماع بحضور فرنجية، ثمّ طُرح السؤالان. فرنجية، السياسي المحنّك، قال، "يا كمال بك، كنت أتوقّع أسئلة أصعب. كنتُ أتوقّع أن تسألني عن المستقبل، وها أنتَ بعد تجربتك في وزارة الداخلية تسألني عن سؤالين. أنا معجبٌ بطريقتك في التعامل معهما. انشااللّه إذا انتُخبتُ رئيساً للجمهورية،  فأنا أرجو أن تكون أنت وزيراً للداخلية لتتابع هذه السياسة الحكيمة، وتنقذ البلد ". وتابع: "حدا بصرلو يلجم وكر الدبابير (مشيراً بيده إلى الأحزاب وفصائل المقاومة) عن طريقه، وبيقول لا؟" فَعَلا التصفيق، ونجح بالامتحان.  وانتُخب فرنجية رئيساً للجمهورية بترجيح كمال جنبلاط.

فعلاً كان المعلّم الشهيد صانعَ الرؤساء ومحاسباً لهم في آن، ولاعباً سياسياً أساسياً في البلاد..

*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".