الديمقراطية عند كمال جنبلاط

وهبي أبو فاعور |

كانت سنة 1972 سنة تكامل صياغة التحالفات السياسية بين قوى التغيير الديمقراطي الموجهة للعقول والقلوب والآراء على كامل الساحة الجنوبية، ردّة فعل على دعم سلطة تكتل الوسط السياسي المشكّلة من الرؤساء سليمان فرنجية وصائب سلام وكامل الأسعد لسياسييها في الجنوب وتضييق الخناق على الحركة الشعبية الناهضة بتلوناتها السياسية حيث تلمع أسماء قادتها المناضلين من صور د.علي الخليل و د.خليل أحمد خليل إلى النبطية والوهج الساطع لعادل الصباح وموسى شعيب والسيد هاني فحص، أمّا في بنت جبيل فلمع جلياً حراك د. أحمد مراد ولكنّ بيضة القبان كانت في مرجعيون- حاصبيا مع الأستاذين حبيب صادق والأمير طارق شهاب، والحراك ديمقراطي ومدروس نتيجةً للتحالف بين الاشتراكيين والشيوعيين في حزبهم ومنظمتهم الفتية يضاف إليهم مثقفو بعث القيادة القومية، عدا عن النخب الديمقراطية المستقلة على امتداد الجنوب المقاوم، حيث يوجد عدو حاقد يمطر الناس بقنابله العنقودية وطيرانه المدمر، وتبقى الناس وفيةً لوطنها وعروبتها بوجه الغطرسة الإسرائيلية.

كنّا في الحزب التقدّمي الاشتراكي نشعر بفائض قوة في قرانا حيث تستقطب فروعنا ورفاقنا جيلاً بأكمله من المدرسين وطلاب الثانويات والجامعات. فالخيام قلعة للنضال ومثلها حولا. ويشع الأمل في كفرشوبا رغم الجراح المؤلمة من التهجير والتدمير. أما مرجعيون وحاصبيا فلم تتعبا من استيلاد المناضلين بدءاً من مير مسعد واسكندرغبريل وصولاً إلى طارق وحبيب وهاني عساف والعشرات ممّن ليس على صدورهم قميص.

أخذ حزبنا التقدّمي قراراً بترشيح الرفيق طارق شهاب للمقعد السني وهو على قدر من الطيبة والشفافية المفرطة والثقة من الناس الطامحين للتغيير في حاصبيا ومحيطها والعرقوب المجاهد، ولكن يشاء القدر وانعدام التجربة أن يُعرقل هذا الترشيح لأسباب مادية والساحة اللبنانية مترابطة والمال السياسي الانتخابي يتدفق في شرايين هذه الانتخابات، وثلاثي السلطة يجهد كثيراً للحفاظ على الجنوب داخل القنينة، وتكبيل المارد الشعبي بأحابيل الإقطاع السياسي الذي شعر بالخطر يتهدّده، فلعب كل الألعاب وحاك كل العقد ليمنع على كمال جنبلاط إحراز النصر من التمدّد الإشتراكي الشيوعي، وكان الأكثر إيلاماً لنا يومها هو عدم القدرة على تأمين الدعم المالي لهذه المعركة، فيما كان رفاقنا الشيوعيون أكثر قدرة على ذلك مع المرشح الشعبي المشترك بيننا الأستاذ حبيب صادق.

فاتخذ مجلس قيادة الحزب قراراً بسحب ترشيح الرفيق طارق شهاب، فيما رفضت قواعد الحزب هذا القرار واللقمة أصبحت بالفم كما يقول المثل الشعبي، وبالمقابل كان المعلّم هو المستهدف من العهد الثلاثي بالإقصاء وقوة حركته الشعبية متألقة في قطاعات التربية والجامعة اللبنانية والاتحاد العمالي العام.

وكان قرار من الرفاق في اللجنة الانتخابية الفرعية أن توفدنا لاستيضاح المعلّم والإتيان بإجابات مقنعة للناس المؤيدين والذين أظهرت النتائج لاحقاً بأنّهم يتجاوزون الـ 65% من مجموع الناخبين في القضاءين.

إنطلقنا بعد ظهر الخميس من حاصبيا فؤاد مرداس وفضل الله جماز وفريد أبوحمد ووهبي أبوفاعور إلى الشوف، وعلى حدّ علمنا أن المعلّم في عماطور في لقاءٍ شعبيٍ حاشد، وصلنا ولكن مشاغله الكثيرة لم تسمح بأكثر من لقاء سريع حدّد لنا فيه موعداً آخر صباح الجمعة في فرن الحطب حيث أسرّ لنا في اللقاء الصباحي ضيقه من مجريات الانتخابات، فأكبر مشاكله في صيدا مع المرحوم المناضل معروف سعد أمّا في المتنين الشمالي والجنوبي فحدّث ولا حرج.

صباح الجمعة كان اللقاء، فأضيف إلينا في فرن الحطب الرفيقان جورج حاوي عن الحزب الشيوعي ويوسف الأشقر عن الحزب القومي الذي كان يدعم المرشح المرحوم نورالدين نورالدين.

أفرغنا ما في جعبتنا من هواجس وأبدينا للمعلّم الصعوبة في إقناع الناس بالخطوة المتخذة من قبل مجلس القيادة. وكان حضور الرفيقين جورج ويوسف في إطار محدّد الأول لا يتدخل ولكنه يصر على استكمال المعركة بمرشحنا المشترك الأستاذ حبيب والثاني يأمل إذا ما تمّ القبول بسحب الترشيح أن ينعكس ذلك إيجاباً على مرشحه وفي الأمر حساسية بين قواعدنا !!

بعد نقاش جريء مع المعلّم توصلنا إلى النقاط الآتية:
1ـ إن الخلل المادي مسؤولية مشتركة بين الحزب والرفيق المرشح.
2ـ إن قرار مجلس القيادة لا يتم تنفيذه إلا بموافقة الهيئة الحزبية في مرجعيون- حاصبيا.
3ـ بغض النظر عن النتائج المترتبة على رأي القاعدة الحزبية فالرجاء أن يستمر العمل لصالح الأستاذ حبيب بذات الآلية والقوة والاندفاع.
4ـ ضرورة اللقاء مع الحزب وفعاليات المنطقة من رجال دين ودنيا صباح غد السبت في دارة المغفور له نجيب بك شمس في حاصبيا.

صباح السبت باكراً تمّ اللقاء وحضرته شخصيات من المنطقتين وأبلغ المعلّم المجتمعين بتفاصيل أسباب قرار السحب وبالحرية المعطاة للناس في اختيار مرشحيهم، فهو يتعامل مع عقول وإرادات وليس مع عصبيات، فتقبّل الناس كلامه ومقترحاته فهو الصادق الصدوق الذي لا يرقى إليه الشك والحريص على أحلام الناس وآمالهم أما ما بقي معلّقاً فهو موافقة الرفاق على قرار مجلس القيادة.

كنّا واحداً وأربعين عضواً عاملاً ممّن يحق لهم الإقتراع وكان مفوّض التربية د. خليل يتشدّد كثيراً في الترقية من منتسب إلى عامل، في الجلسة الأولى لم تحز الموافقة على الأكثرية المطلوبة، فذهب المعتمد الرفيق سامي أبوفاعور وأبلغ المعلّم النتيجة الرافضة للانسحاب، فطُلب إليه إجراء دورة ثانية وهذا ما حصل إذ أعيد شرح الأسباب الداعية لقرار مجلس القيادة، وفي السر أن الرفيق طارق شهاب أبلغ بعض المعترضين وجلّهم من أصدقائه وبلدته أن قرار كمال جنبلاط لا يُرد وبأنّه ينصح بالموافقة.

فحُسِمت النتيجة 27 موافقاً و14 معترضاً فأبلغت النتيجة للمعلّم الذي عاد وأكد قبل الإنصراف أن نستكمل الإنتخابات مع المرشح الأستاذ حبيب صادق الذي فاز يومها بثقة الشعب ولكن التزوير منعه من ذلك كما روى لاحقاً المرحوم صائب سلام في أحد ردوده على المرحوم كامل بك الأسعد.

في ذكرى ميلادك معلّمي تحية لقيادتك... تحية لديمقراطيتك... وإنّا على العهد باقون مع تراثك يحمله القائد الرئيس وليد جنبلاط.