بيصور أم الشهداء ولاّدة الكرامة

وهبي أبو فاعور |

ما إن وضعت الحرب الأهلية أوزارها وارتاح المقاتلون على جبهتي الحرب إثر مبادرتين جريئتين أسكتتا المدفع. 
الأولى: ما جرى في الطائف من إهتمام عربي ودولي ممّا رسخ أسس المشاركة وكان الشعار الأسمى هو: لبنان أولاً.
أما المبادرة الثانية فكانت سنة 2001 مع رمزين من رموز الوطن الجريح الرئيس وليد جنبلاط والبطريرك صفير في ما عُرف بالمصالحة الوطنية التي حسمت احتكام الهيمنة والتسلط وعادت الإحتكام إلى العقل حتى أخذت تبرز بين الفينة والأخرى مظاهر الإستقواء والبلطجة وزرع الأوهام بالعودة إلى ذهنية السيطرة وعدم احترام الموازين الجديدة التي أفرزتها وثيقة الوفاق الوطني ورسختها مفاهيم المصالحة الوطنية.
وكأن ما يجري هو التصفيق بيدٍ واحدة فيما التصفيق يحتاج إلى يدين إثنتين.
وعندما نحكي عن مراحل الحرب فذلك لهدفين أولهما: الوفاء للشهداء الذين وهبونا قوة البقاء والثاني: تذكير الجيل الجديد الصاعد بأن الحرب الأهلية وصفها إثنان من قادتها في قرنين مختلفين الأول هو الشيخ حسين تلحوق على ما أورد الدكتور فواز طرابلسي في كتاباته أنّ الحرب الأهلية تختصر بالآتي (اللي بيخسرها بيخسر واللي بيربحها بيخسر) والثاني الرفيق القائد شريف فياض: (إنّ كلفة التسوية مهما كانت باهضة تبقى أرخص من كلفة الحرب حتى لمن ينتصر فيها).
وهكذا شكلت بيصور واسطة العقد بين الساحل والجبل وغدت أيقونة رائعة تُفتدى بالأرواح والمُهج ولم يبخل أبناؤها بالعطاء ولم تَفِتُّ من عضّهم البوارج الغربية وحاملات الطائرات وخاصةً بعد أن صرّح قائد الجيش أيامها المدعو إبراهيم طنوس: باسترجاع الجبل يبدأ إسترجاع الوطن.
أمّا السلاح الإعلامي لأصدقاء اليوم فهو كان نكتة سمجة فحواها: أمن المجتمع المسيحي...
فيما الأميركيون يرون في سوق الغرب مفتاح بعبدا فلم يبخلوا عليها بالنجدة والحماية واستمروا سنيناً على هذا المنوال وكأنها الحدائق الخلفية للبيت الأبيض...
كان لأبناء وادي التيم مشاركة طوعية وصادقة في الدفاع عن بيصور ومشاركة رجالها الشجعان في محوريها باتجاه كيفون وقبرشمون اللذين استحقت بدمائهم لقب أم الشهداء فوصلت الدفعة الأولى من مقاتلي الحزب في الأسبوع الأول مع الرفاق فارس فايق وابراهيم أيوب وحمد أبوحلا وكمال الساحلي ومعهم العشرات من الذين تجاوزوا حواجز العدو الإسرائيلي وأسهموا مساهمة صادقة في افتدائها.
أمّا الدفعة الثانية فكانت في الأسبوع الثالث بسرية من جيش التحرير الشعبي إستقبلها البياصرة بالترحاب والمحبة وكان الجميع مطمئناً للصمود الرائع الذي تنعم فيه، فيما الرفاق يقودون محاورها بصلابةٍ وثقة وعنفوان حيث لا يتسع المقال لذكر أسمائهم وما أكثرهم وما أبسلهم...
في هذه العجالة لا يغيب عن البال ذكر بعض أعيانها من المشايخ الأجلاء الموحدين والذين كانت عمائمهم عناوين احترام لأشخاصهم المتميزة بالحكمة والوقار والشجاعة وأذكر من هؤلاء الأعلام الذين آوونا واحتضنوا مقاتلينا بالمحبة والأبوة والكرامة ويأتي في مقدّمهم المرحومون الشيخ أبوصالح فرحان العريضي والذي كان لنا معه في وقتٍ سابق لقاء عمل بتكليف من شيخ البياضة المرحوم جمال الدين شجاع طيب الله ثراه طلباً للتوسط في معالجة حالة مقلقة في حاصبيا فبذل جهوداً وأجرى الكثير من الإتصالات الهادئة معتذراً بعد مدّة بأن الأمر لله والموضوع غير قابل للحل كما نبغي وهذا ما حصل من تخفيف الإحتقان دون زواله رحمهم الله.
 أما الشيخ أبوفؤاد أمين ملاعب فكان شيخ البركة والجهاد كما لا يُنسى في هذا المجال الشيخ أبوسليمان عفيف نصار ملاعب الذي كان يشرف على مستوصف الضيعة وكنّا نلتقي بالترافق من بقعاتا إلى بيصور وفي أحد الأيام رأيته صامتاً فاْستغربت الأمر ولكنه فاجأني باْستشهاد ولده فقبل الأمر واستمر في القيام بعمله المناسب لسنه وموقعه رحمه الله.
أما الشيخ أبوزياد نواف ملاعب رحمه الله فلم ننسى احتضانه لنا في منزله فاتحاً قلبه لمشاركتنا واجب الدفاع فكان لأسبوع الأب والأخ بمشاركةٍ صادقة من المرحوم الشيخ أبوناجي توفيق ملاعب.
هؤلاء الأعلام نستذكرهم فيما نحن بأمس الحاجة لجرأتهم وشجاعتهم وإيمانهم بأنّ العمامة البيضاء تغني عن بطاقة الهوية فالإنتساب إلى التوحيد والتزيي بزي الموحدين لا يحمل الإلتباس ولا الخطأ.
ولا نستطيع عند الحديث عن بيصور إلا أن نذكر ماهر والمرحوم أبوكرم والبحّار وأبومنصور وأبونورا وأبوأرز وبسام فيما نعتذر من الآخرين وما أكثرهم.
إلى كل تلك القامات الشجاعة والمؤمنة بالحق والوطن تحياتٌ من القلب ورحمة الله على شهدائنا الأبرار ومشايخنا الأعلام قدوتنا في طريق الصواب والفلاح وسنبقى أوفياء أبداً على هذا الطريق...