الأم "كل الدني" ... ولكن!

في عيدها،
في عيد الأم، وبعيداً عن كل المقدمات والنثريات التي تستحقها الأمهات دون أدنى شك، وبعيدا عن التأكيد أن الأمومة هي الرسالة الأسمى والأهم والأجمل والأقسى فصفحات التواصل وكتب الأدب ودواوين الشعر تكتب للأمهات الكثير وربما لا توفيهن حقهن.

بعيدا عن كل ذلك،
تحية إلى كل أم لم تقارن أولادها بأحد يوماً قريباً كان أم غريباً.
تحية إلى كل أم لا تستعمل أولادها كتعويضٍ نفسي عن طفولة صعبة أو قاسية أو معقدة.
تحية إلى كل أم، قادرة على أن توازن بين قدسيّة حقها في العمل وقدسية الأمومة.
تحية إلى كل أم، لا تحقر زوجها أمام أولادهما ولا تقلل من قيمته في عيونهما ولا تخبرهم عن عيوبه وضعفه وصفاته السيئة وخاصة في العمر الصغير.
تحية إلى كل أم، لا تقول لإبنها انت فاشل او ضعيف او بليد أو كسول أو كذاب أو أو أو ... متل بيك.
تحية إلى كل أم، لا تجعل من بناتها تماثيل لعرض كل ما حرمت منه هي في طفولتها.
تحية إلى كل أم، لا تجعل من أولادها طبيبها أو معالجها النفسي.
تحية إلى كل أم، لا تتوسل أولادها متاريساً في حربها مع الزوج.
تحية إلى كل أم، تقبل أولادها كما هم، تحبهم كما هم، ولا تحاول أن تصنع منهم مخلوقات قادرة على حبها.
تحية إلى كل أم، رافضة للعنف المعنوي والعنف الجسدي وكم من كلمة قاسية حملت سامعها إلى الفشل والمرض والإنهيار والعيادة النفسية والقبر.
تحية إلى كل أم، تهتم بنفسها بصحتها الجسدية بصحتها النفسية وتعلم أنها بذلك تؤمن لأولادها التربية السليمة وليس العكس على الإطلاق.
تحية إلى كل أم، تناضل من أجل حقوقها وحقوق بناتها المهدورة في عالمنا العربي المتخلف.
تحية إلى كل أم، تعلم أن مهمتها الأولى هي الحب والغذاء الأهم الذي تقدمه هو الحب والكساء الأهم الذي تضعه على أجساد أولادها هو الحب، الحب وبعده تأتي كل المفاهيم التقليدية الأخرى والأمور الحياتية البديهية والأساسية. الحب هو أسمى ما تعطيه الأمهات وهو اللقاح الطبيعي الأول لكل الأمراض النفسية والجسدية حتى.
تحية إلى كل أم، تعلم أن السعادة أهم من النجاح وأنها ما ينتج النجاح على المدى البعيد حيث العكس ليس دائما صحيحاً.
تحية إلى كل أم، ترفض مبدأ الإهمال والإتكالية على مطلق أي إنسان آخر في مهمتها المقدسة، وترفض أن تحيا طفولتها أو مراهقتها بالمعنى المرضي أو التعويضي للكلمات على حساب أولادها.
تحية إلى كل أم، لا تستعمل حبها معيارا مع أولادها "اذا ما أكلت رح بطل حبك" و"اذا نجحت رح حبك أكتر".
تحية إلى كل أم، إستطاعت أن ترضع أولادها وفعلت.
تحية إلى كل أم، تعلم ما خطورة "نرجسيتها العدائية" على أولادها وربما أولادهم حتى، وتدرك أن هذه الشخصية شبه مستحيلة التحسن فتطلب المساعدة لكي لا تدمر حياة أولادها بسموم نرجسيتها.
تحية إلى كل أم، تعلم أنها الجزء الأكبر من الصورة التي سيحملها اولادها في أجسادهم وملامحهم وأنسجتهم وبعيدا في خلاياهم الدماغية.

قد تبدو بعض الأفكار قاسية، وقد يظنها البعض مجحفة، ولكن هناك، في عيادات العلاج النفسي نعلم جيدا أن "الدنيا أم" كما يقال ولكن ... بقدسية الرسالة وخطورتها أيضاً.

*معالج إيحائي- إختصاصي في إدارة المشاعر